هذه زيارتي الخامسة إلى سوريا منذ تحررها من شبكة الجريمة والظلم، والثانية خلال هذا العام، بعد حضوري هذه المرة لتقديم واجب العزاء بعد تبين استشهاد الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة. ومنذ لحظة التحرر من منظومة القتل والقمع المروعة، يمكن ملاحظة كيف بدأت سوريا، يومًا بعد يوم، تستعيد طعم الحرية المنسية ومعنى أن يُعامل الإنسان كإنسان.

لقد خلق الله الإنسان حرًا، ذا حقوق أساسية، كائنًا كريمًا شريفًا. وأولئك الذين يعتدون على هذه الكرامة لا يعتدون فقط على الإنسان، بل يفسدون طبيعته ويشوّهون روحه ونظامه الداخلي، وهو أعظم أشكال الظلم.


لكن زوال هذه الأنظمة الظالمة لا يعني عودة الطبيعة المدمَّرة فورًا إلى حالتها السليمة. فخلال ستين عامًا، بل ومنذ قرن كامل إذا احتسبنا مرحلة الاستعمار بعد انفصال المشرق عن الدولة العثمانية، جرى تفكيك وإفساد هذا الحوض الحضاري في بلاد الشام. ومع ذلك، حيثما يوجد القمع توجد المقاومة أيضًا. واليوم، ما يُمارس على غزة من ظلم بات يصل إلى عنان السماء، يُرى ويُسمع من كل أنحاء العالم، ليس فقط بسبب شدة الظلم، بل أيضًا بفضل صمود المقاومة هناك.


فالظلم، مهما بلغ من الشدة، لا يُبطل سنن الله إذا وُجدت إرادة مقاومة في مواجهته، ووعد الله لا يتخلف. وكان نظام المخابرات في سوريا قد أحكم سيطرته على تفاصيل الحياة اليومية بشكل خانق، بحيث لم يترك أي مساحة دون مراقبة أو ضبط. ومن المدهش — بل يجب أن يكون مدعاة للتأمل — كيف خرجت من تحت هذا النظام الأمني الحديدي ثورة بهذا الحجم. فالثورة السورية، من أي زاوية نظرت إليها، هي انتصار لشعب واجه قوى عالمية متعددة في آن واحد.


وخلال سنة ونصف منذ اندلاع الثورة، في كل زيارة لي إلى سوريا، أرى الفارق بوضوح بين الماضي والحاضر، وما يُخطط له من تغيير للمستقبل. فالفوضى التي كانت تملأ الطرق حتى سقوط النظام، استُبدلت اليوم برجال شرطة ينظمون حركة المرور بلطف واحترام.


سائق سيارتنا، محمد أنس، وهو طالب في الوقت نفسه، قال وهو يسير بجانب سيارة شرطة: "كنا سابقًا إذا رأينا شرطيًا لا نستطيع أن نمر بجانبه دون شعور بالقلق، أما الآن فنشعر وكأنهم منا". ثم شكر الله على هذا التحول.


عبارة "كأنهم منا" ليست مجرد وصف لحالة عابرة، بل هي مفتاح لفهم ما حدث في سوريا وما سيحدث لاحقًا. فقد كانت سوريا، لسنوات طويلة، تفقد تدريجيًا صفتها كـ"وطن" لسكانها. وعندما لا تمثل الدولة شعبها، بل تقمعه، يصبح من الصعب على الناس أن يشعروا بالانتماء إليها. ومع غياب هذا الانتماء، يفقد مفهوم الوطن معناه. ومن هنا نفهم أهمية أن يشعر جميع المواطنين بأن لهم وطنًا واحدًا مشتركًا.


ويبدو أن الرئيس الشرع يدرك هذه المسألة بوضوح في جميع خطاباته، حيث يؤكد أن الدولة ملك لجميع السوريين، وأنها ستُبنى وتُحفظ بمشاركتهم جميعًا. ومع ذلك، فإن كيفية ترسيخ هذا الشعور الذي غاب لعقود طويلة تحت أنظمة قمعية تبقى من أبرز التحديات اليوم.


ويُطرح هنا سؤال مهم: كيف تشكّل هذا الشعور القوي بالوطن في تركيا، والذي يُضرب به المثل دائمًا؟ لا شك أن هذا الشعور يعود إلى تراكم تاريخي ممتد منذ العهد العثماني، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسلام. فقد ارتبط مفهوم الوطن هناك بإرادة "إعلاء كلمة الله"، وبالفتح الذي جعل تلك الأرض دارًا للإسلام، وبالأذان الذي رسّخ هوية المكان. وحتى بعد سقوط الدولة العثمانية، ورغم محاولات طمس إرثها، بقيت الرموز الإسلامية — الهلال والنجمة الحمراء — مرتبطة بالوعي الجمعي بفكرة الوطن. كما أن نشيد الاستقلال، الذي كُتب في سياق مقاومة الاحتلال، حافظ على هذا المفهوم حيًا في وجدان الأمة.


ولا ينبغي أبدًا الاعتقاد بأن سوريا أقل حظًا في هذا المجال. فالدافع الذي قاد الثورة هناك ليس مختلفًا من حيث الجوهر. لكن تحويل هذا الدافع إلى مشروع دولة يتطلب برامج خاصة ورؤية مؤسسية. وأعتقد أن لدى سوريا اليوم رصيدًا رمزيًا كافيًا لتحقيق ذلك.


وخلال زيارتي، التقيت بعدد من الشخصيات السياسية، وكان القاسم المشترك في جميع اللقاءات هو التعبير عن الامتنان لتركيا وقيادتها، والتقدير للشعب التركي، والرغبة في الاستفادة من الخبرة التركية في بناء سوريا الجديدة.


فوزير الزراعة باسل السويدان أعرب عن رغبته في نقل تجربة تركيا في التنمية والتأمين الزراعي إلى سوريا. أما وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري فقد رحّب بقدوم الطلاب الأتراك لتعلم اللغة العربية في سوريا. كما عبّر عدد من النواب عن رغبتهم في الاستفادة من التجربة التشريعية للبرلمان التركي.


وفي وزارة الداخلية، يجري تنفيذ حملة واسعة لمكافحة المخدرات تستهدف مصادر إنتاجها. وقد تمت مصادرة 55 طنًا من المواد الأولية، كما جرى تدمير نحو 700 مليون حبة كبتاغون من أصل مليار حبة أنتجها النظام السابق وشركاؤه. وكانت هذه المواد تمثل تهديدًا عالميًا، لا يقتصر على سوريا وحدها بل يشمل دول الجوار والعالم.


كما أُطلقت حملة شاملة بعنوان "سوريا خالية من المخدرات" لمدة عام كامل، في محاولة لمعالجة إدمان يُقدّر أنه أصاب نحو 15% من السكان.


وعلى صعيد الحياة اليومية، بدأت تظهر تغييرات ملموسة، حيث أصبحت انقطاعات الكهرباء من الماضي. وبعد سنوات من الجفاف، امتلأت السدود وعادت ينابيع المياه إلى التدفق.


وتستمر عودة السوريين من مختلف أنحاء العالم، وهو ما يحمل جانبًا إيجابيًا، لكنه يفرض في الوقت ذاته ضغطًا على الاقتصاد السوري الذي لا يزال في طور التعافي. ومع ذلك، فإن هذا العبء ليس مستحيل المعالجة. كما أن انتشار اللغة التركية في كل مكان يعكس عمق الحضور التركي خلال سنوات الثورة.


ومن أبرز التحديات التي يواجهها العائدون من تركيا مسألة التواصل مع أقاربهم هناك، وهي مشكلة تحتاج إلى معالجة من قبل إدارة الهجرة، لكنها في حال حلّها قد تفتح آفاقًا إنسانية واقتصادية مهمة بين البلدين.


كما أن وضع السوريين الحاصلين على حماية مؤقتة يتعقد عند عودتهم، إذ تُلغى إقاماتهم، ولا يمكنهم العودة إلى تركيا إلا بتأشيرة صعبة الحصول، مما يدفع كثيرين إلى التردد في العودة أصلًا.


ولو تم تجاوز هذه العقبة، لكان بالإمكان فتح قناة تعاون إيجابية ومثمرة بين البلدين. وهناك مؤشرات تفاؤل بأن الإدارة الجديدة تمتلك رؤية أكثر انفتاحًا في هذا الملف.