كيف تفسر المصادر الأمنية قمة طهران المفاجئة؟

يحيى بستان
يحيى بستانالكاتب في صحيفة يني شفق
09:57, 30/10/2026, الجمعة • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
كيف تفسر المصادر الأمنية قمة طهران المفاجئة؟

في أحد أبرز تطورات الأشهر الأخيرة، توجه مسؤولون رفيعو المستوى من تركيا والسعودية وباكستان، الدول الثلاث التي تشكل تحالف مكة، إلى طهران في زيارة مفاجئة.

والتقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، ووزير الدفاع السعودي الأمير سلمان، ورئيس الأركان الباكستاني عاصم منير، بالأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي.

وشارك الرئيس الإيراني بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي في جزء من اللقاء، مما يدلّ على الأهمية التي توليها طهران له. هذه قمة بالغة الأهمية، تستحق التأمل والتركيز على كواليسها. وقد ازدادت أهميتها بلقاء محسن رضائي المرشد الديني مجتبى خامنئي في اليوم التالي، وإطلاعه على ما نوقش خلالها. لديّ قراءة لدلالات هذا التطور، لكن كيف تفسّره المصادر الأمنية المطلعة على مجرياته؟ سأعرض أولًا تحليلي، ثم أنقل ما سمعته منها.


أولًا: يجري تأسيس تحالف مكة استجابةً لحاجة إقليمية، وتجعله الظروف ضرورةً من بعض الوجوه. وتتمثل هذه الحاجة في إيجاد «بنية مؤسسية من داخل المنطقة، تتولى مسؤوليتها وتقدّم حلولًا لمشكلاتها من منظور إقليمي». أي إيجاد طرف يمكن التعامل معه لحل الأزمات وإدارتها. وتُظهر قمة الرباعية الإقليمية والثلاثية الأوروبية «R4–E3»، التي عُقدت الأسبوع الماضي، أن الغرب أيضًا بات يقبل التحالف بوصفه «الطرف الذي يتعامل معه في المنطقة». وينبغي النظر إلى اجتماع طهران، الذي عُقد بعدها مباشرة، في سياق تلك القمة وهذه المفاهيم.

رسالة إيران إلى الداخل والخارج

ثانيًا: أعتقد أن الإعلان عن لقاء طهران بهذه الطريقة في وسائل الإعلام لم يكن مخططًا له. لكن إيران أعلنته باحتفاء كبير. وهذا طبيعي، فهي تحتاج إليه. وبذلك وجّهت رسالة إلى الداخل وأخرى إلى الخارج. قالت للمجتمع الإيراني إن إيران لا تزال صامدة، وإن السياسة التي اتبعتها حتى الآن تؤتي نتائجها، وإن طهران تعمل على حل الأزمة رغم استمرار الحصار الاقتصادي. أما رسالتها إلى الخارج، وتحديدًا إلى الولايات المتحدة، فهي أنها «منفتحة على التفاوض».


ثالثًا: تشكيلة المشاركين في الاجتماع لافتة. فالأمريكيون يشتكون قائلين: «لا نعرف من يحكم إيران». وقد سمعنا مرارًا أن مصير الاتفاقات المبرمة مع وزير الخارجية الإيراني قد يتغير بعد عودة عراقجي إلى بلاده، لأن هناك آخرين يملكون «الكلمة الأخيرة». ومشاركة رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، ممثلًا للجانب الإيراني في اجتماع طهران، ثم لقاؤه خامنئي في اليوم التالي وإطلاعه على ما نوقش، تعني أن النظام الإيراني نفسه هو الذي التقى تحالف مكة في طهران. ولذلك، ينبغي أخذ كل ما قيل هناك على محمل الجد.

يريدون التوصل إلى اتفاق

رابعًا: أولوية طهران واضحة. فهي ترزح تحت وطأة الحصار الاقتصادي الأمريكي. ثم إنها تخشى موجة هجمات جديدة وأوسع، وتقلق على سلامة النظام والبلاد ووحدة أراضيها. وفي هذا السياق، تتخذ إيران موقفًا جديدًا. يقولون: «علينا إنهاء حالة اللا حرب واللا سلام مع الولايات المتحدة». ماذا يعني ذلك؟ أعتقد أنهم يريدون التوصل إلى اتفاق معها، من دون التخلي بالطبع عن مطلبهم المتعلق بهرمز. وقد شدّد الرئيس بزشكيان على هذا الموقف. وأُعلن أن مجتبى خامنئي وجّه رسالة مماثلة إلى رضائي، مما يعني أن الأمر جدي. إيران تريد اتفاقًا، وتنتظر من تحالف مكة، وفقًا لوسائل إعلام خليجية، الضغط على الولايات المتحدة «للتوصل إلى وقف إقليمي لإطلاق النار لمدة أسبوعين» (وأقرأ اللقاء المفاجئ الذي جرى بين الرئيس أردوغان والرئيس الأمريكي ترامب مساء أول أمس بوصفه جزءًا من هذه الاتصالات).


خامسًا: تختلف أولويات تركيا والسعودية وباكستان وترتيبها: وقف الهجمات المنطلقة من اليمن ضد الرياض، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتوصل الحوثيين إلى اتفاق مع الحكومة اليمنية، وإنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية قبل اتساعها، وامتناع إيران، في هذا الإطار، عن اتخاذ خطوات تغيّر الوضع القائم في هرمز، وإنهاء القتال عبر التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي… وأعتقد أنه يمكن أيضًا بحث المرحلة التالية، أي إدماج إيران في النظام الإقليمي الجاري تشكيله، والتطبيع على مستوى المنطقة.

التصعيد يتزايد في اليمن

سادسًا: ترفض إيران المطالب قائلةً: «لا نفوذ لي على الحوثيين»، لكن التصعيد يتزايد هناك. فالسعودية تواجه سلسلة هجمات تتصاعد وتيرتها يومًا بعد يوم. وسيتخذ تحالف مكة خطوة دفاعية لضمان أمن الرياض. هذا ما نعرفه (وقد وافق البرلمان المصري أيضًا على قرار إرسال قوات إلى السعودية إذا طُلب ذلك. وأعلن الحوثيون أنهم يعدّون هذا «إعلان حرب»).


خلاصة القول، تريد إيران أن تُظهر للولايات المتحدة أنها «جادة هذه المرة في التوصل إلى اتفاق»، وتطلب من تحالف مكة إقناع واشنطن بذلك، لكنها ترفض اتخاذ خطوة لوقف هجمات الحوثيين. ستستمر المفاوضات، وما نفهمه أن القتال في إيران واليمن سيستمر أيضًا…

احتواء التوتر وفتح قنوات تواصل جديدة

ما سبق كان تحليلي. فماذا تقول المصادر الأمنية المطلعة على التطورات بشأن القمة؟ ألخّص ما قالته:


أولًا: تهدف تركيا إلى منع تفاقم الأزمات باستخدام الدبلوماسية الاستخباراتية إلى جانب القنوات الدبلوماسية التقليدية. ويمثّل اجتماع طهران البعد الإقليمي لهذه الجهود.


ثانيًا: إن إجراء اتصالات بهذا المستوى، بينما يتفاقم القتال في اليمن، يدلّ على إدراك أن إدارة مشكلات المنطقة لا يمكن أن تقتصر على التدابير العسكرية.


ثالثًا: لا يعني لقاء طهران أن جميع مشكلات المنطقة قد حُلّت. لكن قدرة دول ذات مصالح وأولويات مختلفة على الاجتماع حول طاولة واحدة مهمة لإبقاء التوتر تحت السيطرة وتطوير قنوات تواصل جديدة.


رابعًا: ليس من الضروري أن يظل حل الأزمات الإقليمية مرهونًا بالتدخلات أو المقترحات القادمة من الخارج وحدها. فبقدر ما تستطيع دول المنطقة إقامة حوار فيما بينها، وتحديد مصالحها المشتركة، وترجمتها إلى خطوات تعاون ملموسة، تستطيع أن تكون صاحبة قرار في مستقبلها.