وحدة الشعوب التركية أم الوحدة الإسلامية؟

آيدن  أونال
آيدن أونالالكاتب في صحيفة يني شفق
09:07, 19/10/2026, الاثنين • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
وحدة الشعوب التركية أم الوحدة الإسلامية؟

حين وصلت الدولة العثمانية العالمية إلى شفا التفكك، بدأت النقاشات حول «العثمانية أم وحدة الشعوب التركية أم الوحدة الإسلامية»، بحثًا عن استراتيجية دفاعية ومخرج من الأزمة.


يمكننا القول إنه لم يبقَ أثر يُذكر لـ«العثمانية»، لكن النقاشات بشأن وحدة الشعوب التركية والوحدة الإسلامية لا تزال تحتفظ بحرارتها حتى بعد مرور 150 عامًا.


بدأت روسيا، منذ عام 1850، احتلال أراضي الشعوب التركية في تركستان والقوقاز. وبتأثير المثقفين الذين لجؤوا من تلك المناطق إلى الدولة العثمانية، وفي أجواء التشاؤم واليأس التي خلّفتها هزيمة البلقان، نشأت بين مثقفي إسطنبول نزعة «رومانسية قومية تركية». فقد رأى علي سعاوي، وسليمان حسني باشا، وأحمد وفيق باشا، وأحمد مدحت، وإسماعيل غاسبرالي، ويوسف آقچورا، وضياء غوك ألب، وعمر سيف الدين، وأحمد آغا أوغلو، وغيرهم كثيرون، أن خلاص الدولة العثمانية يمرّ عبر اتحاد الشعوب التركية. وفي هذه الفترة ظهر شعار «من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم»، وكتب ضياء غوك ألب في تلك السنوات:


«ليس وطن الأتراك تركيا ولا تركستان

بل الوطن أرض عظيمة خالدة: طوران».


عندما تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، عادت الدول التركية إلى الظهور على مسرح التاريخ واحدة تلو الأخرى. فقد زالت أكبر عقبة أمام «وحدة الشعوب التركية»، وبات من الممكن أن يتحول الحلم الكبير إلى حقيقة. لكن الأمور لم تسر كما كان متوقعًا. فأتراك تركستان والقوقاز ومسلموهما كانوا قد فقدوا قدرًا كبيرًا من قيمهم الأصيلة تحت وطأة القمع الروسي والسوفيتي الذي استمر قرنًا ونصف القرن. كما أن الظل الروسي لم ينحسر تمامًا عن تلك المناطق.


ومضى أكثر من 30 عامًا، ولا يزال قيام تحالف أو اتحاد أو وحدة في العالم التركي بعيد المنال. فالآليات التي أُنشئت لا تحقق النتائج المرجوة.


في الواقع، لا تتعلق المسألة بالاحتلال الروسي وحده. فقبل الاحتلال الروسي، وعلى مدى آلاف السنين، كانت شعوب العالم التركي تتنازع وتتصارع وتتحارب باستمرار. إن تاريخ آسيا الوسطى هو تاريخ حروب الأتراك بعضهم مع بعض. فقد فتك الهون، والغوك تورك، والقارلوق، والقراخانيون، والغزنويون، والأوغوز، والخوارزميون، والشروانشاهيون بعضهم ببعض. وفي الغرب، اضطرت الدولتان السلجوقية والعثمانية إلى حماية أراضيهما من الأتراك أكثر من محاربة الصليبيين، وشهدت الدولة العثمانية غزو تيمور وما أعقبه من عهد الفترة، وسالت الدماء التركية أنهارًا في الحروب مع الغزنويين، والآق قويونلو، والقرا قويونلو، والصفويين، والمماليك، ونادر شاه، والقاجاريين، وغيرهم كثيرين.


يُقال: «ليس للتركي صديق سوى التركي»، لكن الواقع الميداني والعملي، وعلى مسرح التاريخ، يكشف حقيقة مفادها أن «ليس للتركي عدو سوى التركي». وعندما لم تجد الدول التركية من تحاربه، انقسمت على نفسها، وخاضت حروبًا داخلية، وتخبّطت في التمردات.


ونحن نواجه مجددًا هذه الأيام حقيقة استحالة قيام «اتحاد للشعوب التركية».


في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، ظهرت «الوحدة الإسلامية»، مثلها مثل «وحدة الشعوب التركية»، بوصفها وسيلة دفاعية. غير أن الوحدة الإسلامية، مقارنة بوحدة الشعوب التركية، تمثل غاية أسمى أكثر واقعية، وأقرب إلى التحقق، وأكثر قابلية للتطبيق، وأعمق جذورًا بكثير. فالإسلام، قبل كل شيء، يقوم أصلًا على مبدأ «الأخوّة». فعلى سبيل المثال، تفوق تحالفات تركيا اليوم وقيمها المشتركة مع باكستان الناطقة بالأردية، وسوريا العربية، والبوسنة والهرسك البوشناقية، والشركس، وأفريقيا المسلمة، والأهم من ذلك كله مع الأكراد، ما يجمعها بأشقائها من الشعوب التركية بأضعاف مضاعفة.


ولنضف أيضًا أن خصوم الأتراك والمسلمين، الذين لم يخشوا القومية العرقية قط، بل شجّعوها، ونشروا، بدءًا من رينان، الادعاء بأن الإسلام عائق أمام التقدم، وأبعدوا الهوية التركية عن أصلها وعزلوها بخطاب «التأثير العربي و/أو الفارسي»، خافوا من الاتحاد الإسلامي، وكرّسوا كل جهودهم خلال القرن ونصف القرن الماضيين للحيلولة دون قيام الوحدة الإسلامية. واليوم، فإن «النزعة القومية التركية العرقية» أو «العنصرية التركية» — وليس القومية أو التوليف التركي الإسلامي — ليست سوى محاولة لمحو التركي المسلم، وبالتالي التركي، من مسرح التاريخ.


إن مخرج المسلمين، بل البشرية جمعاء، هو الوحدة الإسلامية؛ وما عدا ذلك مجرد أوهام، كما نرى بوضوح هذه الأيام. لا تغترّوا بتشرذم العالم الإسلامي؛ فهو قادر على أن يتحد ويتكامل ويصبح كأصابع اليد الواحدة. هذا ممكن وواقعي. وهذه وحدها هي الغاية الأسمى التي تستحق أن نحيا ونموت من أجلها.