الخطوة الليبية الكبرى والاستعدادات الجديدة ضد تركيا

يحيى بستان
يحيى بستانالكاتب في صحيفة يني شفق
07:08, 23/10/2026, الجمعة • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
الخطوة الليبية الكبرى والاستعدادات الجديدة ضد تركيا

كتبتُ قبل أيام أن تشكيلًا جويًا إسرائيليًا كبيرًا تحرك باتجاه المجال الجوي الإيراني، لكنه غيّر قراره وعاد أدراجه. وربما كانت هذه طلعة اختبارية لقياس قدرات الدفاع الجوي الإيرانية قبل الهجوم الكبير. وفي 21 أكتوبر، نشر موقع «أكسيوس» الإخباري، الذي تربطه صلات وثيقة بالبيت الأبيض والقيادة الإسرائيلية، تتمة القصة: «نفّذت عشرات الطائرات الحربية يوم الاثنين طلعة وصلت إلى الحدود الإيرانية». وشدّد التقرير على أن الطائرات عادت بعد اقترابها من الحدود الإيرانية (ما كتبتُ عنه كان الطلعة الأولى، أما ما كتبه «أكسيوس» فهو الطلعة الثانية، التي شارك فيها تشكيل جوي أكبر). وقد قال بعض المسؤولين الأمريكيين للموقع: «كانت إسرائيل تأمل أن يطلق الإيرانيون النار على الطائرات، لتكون لديها بذلك ذريعة لشنّ هجوم على إيران».

خلفيات بدر

تشير هذه التطورات إلى أن الجبهة الرئيسية في إيران تحتدم مجددًا. وتتفاقم الاشتباكات أيضًا في الجبهة الجديدة، اليمن، حيث يضرب الحوثيون المطارات ومنشآت الطاقة. وقد أُحيل الاتفاق المتعلق بتحالف مكة، الذي يُتوقّع أن يقدّم دعمًا دفاعيًا للسعودية، إلى البرلمان التركي (وستُحال إليه لاحقًا مذكرة التفويض). وفي هذه الأثناء، حدث تطور مفاجئ: ظهر تحالف أو إطار تعاون جديد ضمن التحالفات وأطر التعاون التي تُطوَّر انطلاقًا من رؤية تقوم على إيجاد حلول إقليمية للمشكلات الإقليمية؛ إذ وقّع وزراء دفاع قطر وإندونيسيا وباكستان وتركيا مذكرة تفاهم بدر في الدوحة.


هذه مذكرة تفاهم للتعاون في الصناعات الدفاعية. وستبرز في هذا المسار الشراكات بين الشركات، وتبادل المعرفة التقنية، والإنتاج والتوريد (وسنتحدث أكثر في الفترة المقبلة عن السفن الحربية تركية الصنع). وحين تدخلون في مثل هذا التعاون، فإنكم توحّدون، من بعض الجوانب، إجراءات التدريب العسكري وأنشطته أيضًا. أي إن جيوشكم تتواصل وتتقارب بدرجة أكبر. ومن هذه الزاوية تكتسب المذكرة أهميتها (في تقديري، لا تتحمس السعودية لانضمام قطر إلى تحالف مكة، لكن قطر تحتاج هي الأخرى إلى الدعم. وأعتقد أن مذكرة تفاهم بدر تمثّل صيغة تلبّي هذه الحاجة).

أهمية اجتماع الرباعية الإقليمية والثلاثية الأوروبية

الموضوع الذي ينبغي النظر إليه بالتوازي مع هذه التطورات هو الاجتماع المهم الذي سيُعقد اليوم في إسطنبول. إذ يجتمع وزراء خارجية الرباعية الإقليمية «R4» — تركيا والسعودية ومصر وباكستان — مع وزراء خارجية الثلاثية الأوروبية «E3» — بريطانيا وفرنسا وألمانيا — باستضافة الوزير فيدان (تستمر الرباعية الإقليمية في الوجود لأن مصر لم تنضم بعد إلى تحالف مكة. وعندما تنضم مصر إليه، ينتهي وجود الرباعية. ولذلك، فإن الأساس هنا هو تحالف مكة، وليس الرباعية الإقليمية). ويُظهر هذا الاجتماع أن الرباعية الإقليمية/تحالف مكة ستكون، في نظر الأطراف من خارج المنطقة، «الطرف المؤسسي الوحيد المتعدد الأطراف الذي تُبحث من خلاله القضايا الإقليمية». أي إنه يعزّز الثقل الدبلوماسي والعسكري لتحالف مكة، لكنه يتيح لتركيا أيضًا استخدام التحالف رافعةً في علاقاتها مع أوروبا.


يُعقد هذا الاجتماع في ظرف توجّه فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الـ27 — بل حتى مصر — انتقادات شديدة إلى تركيا بسبب التطور الذي شهدته ليبيا. إنهم يعترضون، لكنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الحضور إلى إسطنبول. وأقصد هنا القرار الذي اتخذه مجلس النواب الليبي؛ فقد صدّق المجلس بالإجماع على الاتفاق الموقّع عام 2019 بين تركيا وحكومة طرابلس، الذي يحدّد المناطق الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط. وهذا حدث تاريخي لسببين:

لن يعود شيء في المتوسط كما كان

أولًا: قطع اتفاق عام 2019 الطريق بصورة حاسمة على محاولات اليونان وإسرائيل والإدارة القبرصية اليونانية وغيرها من الأطراف خنق تركيا في البحر المتوسط. كان الاتفاق قد أُبرم، وأُخطرت به الأمم المتحدة، لكن عدم تصديق مجلس النواب عليه كان يمنح اليونان «مجالًا للاعتراض». وكان المجلس آنذاك خاضعًا لسيطرة الجنرال حفتر، الذي كان يقف في مواجهة تركيا، ولمصر أيضًا. واستنادًا إلى ذلك، كانت اليونان تقول: «الاتفاق غير ساري المفعول لأنه لم يُصدق عليه في المجلس» (أي إنها ربطت سياستها بتصديق المجلس).

وخلال السنوات السبع الماضية، طوّرت تركيا علاقاتها مع شرق ليبيا أيضًا. وأصبح الجنرال حفتر ونجله صدام حفتر من شركاء أنقرة المهمين. ثم صدّق مجلس النواب على الاتفاق، وبذلك اكتمل «العمل الذي ظل ناقصًا». ولم يعد لاعتراض اليونان والاتحاد الأوروبي أي أثر (ملاحظة: أدّى تخصيص رئيس جهاز الاستخبارات التركي، قالن، وقتًا لهذا الملف على وجه الخصوص، وزياراته المتكررة إلى ليبيا، وحفاظه على توازن دقيق بين الأطراف، وقدرته على الإقناع، دورًا بالغ الأهمية في وصول المسار إلى هذه المرحلة).


ثانيًا: أُبرم اتفاق عام 2019 في فترة كانت تُبذل فيها محاولات لتغيير الوضع القائم في شرق المتوسط على حساب تركيا، فقلب الحسابات رأسًا على عقب. وجاء تصديق المجلس على الاتفاق في ظرف مشابه أيضًا؛ إذ كانت اليونان، التي استغلت حرب إيران وعمّقت تحالفها مع إسرائيل، تتخذ خطوات لتغيير الوضع القائم في قبرص وفي بحرَي إيجه والمتوسط. وكانت تسعى إلى نشر قوات من دول ثالثة في قبرص، ووضع أنظمة دفاعية في جزر إيجه. كما كانت تريد تمرير كابل الكهرباء المزمع مدّه بين كريت وقبرص وإسرائيل عبر الجرف القاري التركي من دون الحصول على إذن خطّي. وقد أفسد هذا الاتفاق، الذي صدّقت عليه ليبيا، تلك الحسابات مجددًا.

قد تزداد التوترات

ينبغي متابعة ما سيأتي بعد ذلك عن كثب. فقد مُنيت أثينا، مع اقتراب الانتخابات فيها، بهزيمة استراتيجية كبيرة جدًا. وقد تلجأ إلى خطوات مضادة ترفع التوتر لتخفيف أثر هذه الهزيمة. وهناك مسألتان قد ينشأ عنهما توتر. الأولى: قضية كابل الكهرباء التي ذكرتُها آنفًا. ففي الواقع، كانت هناك بوادر انفراج خلف الكواليس بشأنها؛ إذ كانت الشركة الفرنسية التي اتفقت معها أثينا تعطي إشارات إلى أنها ستُخطر تركيا. لكن أثينا قد تغيّر موقفها بسبب التطور الليبي. والثانية: قضية كريت؛ فقد تعلن اليونان توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلًا جنوب كريت وغربها. ومثل هذه الخطوات تزيد التوتر. ويُظهر التطور الليبي أن أثينا خرجت بخسائر أكبر من كل محاولة سعت فيها إلى تضييق مجال تركيا. والخيار المعقول هو الحوار مع تركيا والتقاسم المنصف. أنقرة مستعدة، وتنتظر.