لنبدأ بالصورة العامة للعلاقات بين البلدين
أولًا: تركيا وأذربيجان كنصفَي تفاحة واحدة؛ تجمعهما اللغة والدين والثقافة، وتتطابق مواقفهما تجاه القضايا الوطنية الأساسية. وقد جعلت تركيا أمن أذربيجان خطًا أحمر في سياستها الخارجية، كما وقفت باكو إلى جانب أنقرة في الأوقات الصعبة.
ثانيًا: توفر الروابط الثقافية والتاريخية أرضية جيدة لتطوير العلاقات الثنائية، لكنها لا تكفي وحدها. فبناء علاقات جيدة وراسخة يقتضي أن تنسجم هذه الروابط مع المعطيات الجغرافية والمصالح وتصورات التهديد.
ثالثًا: تقدم تركيا الكثير لأذربيجان، كما تقدّم أذربيجان الكثير لتركيا. فمن المنظور الأذربيجاني، تمثّل تركيا عنصر توازن قويًا في القوقاز، حيث تُعدّ روسيا وإيران طرفين رئيسيين (وتسعى باكو، بإشراك ترامب في ممر زنغزور، إلى تنويع «الأطراف التي تحقّق هذا التوازن»). وتدعم تركيا تطوير البنية التحتية الأذربيجانية، ونقل الخبرات، وتعزيز القدرات الدفاعية. كما توفّر مسارًا فعّالًا لوصول النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية. أما من المنظور التركي، فأذربيجان بوابة إلى آسيا الوسطى، وصديق في أوقات الشدة يقدّم الدعم المادي والمعنوي، وحليف تربطه بتركيا علاقات تجارية قوية في قطاعات عديدة، وفي مقدمتها الطاقة.
رابعًا: هل تنظر الدولتان إلى جميع القضايا من المنظور نفسه؟ لا. فاختلاف حجم الدولتين وتقديرهما للتهديدات ينعكس على أمور كثيرة، وفي مقدمتها أولويات السياسة الخارجية والأمن القومي. فعلى سبيل المثال، تختلف طريقة أنقرة في إدارة علاقاتها مع طهران عن طريقة باكو، بسبب اختلاف الحجم وشدة التهديد معًا. فإيران منافس إقليمي لتركيا، ولذلك تدير أنقرة علاقاتها معها بأساليب تتناسب مع حجمها. أما أذربيجان، فتتخذ موقفًا أكثر تشددًا، بفعل عوامل مثل اتساع النفوذ الإيراني، وسجل طهران في تصدير نظامها، ودعمها ليريفان (والتواصل مع إسرائيل هو أيضًا نتاج هذه النظرة الأكثر تشددًا).
وينطبق الأمر نفسه على قضية أرمينيا. ففي عام 2009، اتخذت تركيا خطوة نحو التطبيع، فاندلعت أزمة أكبر بكثير من الأزمة الحالية، قبل أن تعود العلاقات إلى مسارها. ولا تزال تركيا ترى اليوم أن التطبيع مع أرمينيا ينبغي أن يتحقق بصيغة ما. أما باكو، فأعتقد أنها تسعى إلى تحقيق بعض المكاسب الجديدة.
كيف يمكن قراءة التطورات الأخيرة في ضوء هذه المعطيات كلها؟ سأعرض رأيي الشخصي…
السبب الظاهر هو قضية الحجاب في المدارس الأذربيجانية، وما أعقبها من نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي شارك فيها مستخدمون من البلدين. وقد رأت بعض الشخصيات في باكو، استنادًا إلى منشورات كتبها مستخدمون عاديون، أن هناك «تدخلًا في الشؤون الداخلية». لكننا لم نسمع أي تصريح رسمي من أنقرة ينتقد الممارسات في أذربيجان. بل على العكس، وصف الرئيس أردوغان علييف في منشوره الأخير بأنه «أخي». وفي المقابل، أصدر كلٌّ من الحزب الحاكم في أذربيجان ومجموعة الصداقة في البرلمان رسائل تحمل نبرة انتقادية تجاه تركيا.
وفي هذا الظرف تحديدًا، كانت زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى باكو للمشاركة في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا مهمة. وبصرف النظر عن الجدل المتعلق بالرئيس الإسرائيلي هرتسوغ، كان ما أترقّبه أساسًا هو لقاء فيدان بالرئيس الأذربيجاني علييف. وبعد اللقاء، شدّد فيدان على «الرابطة الراسخة بين الزعيمين»، وقال: «نجلس ونناقش مشكلاتنا بالطريقة التي تليق بنا».
فكيف سار اللقاء؟ لا أعرف، لكن ثمة مؤشرات. فقد نشرت مؤسسة إعلامية أذربيجانية، بعد اللقاء، مادة استهدفت الوزير فيدان مباشرة. وزعم النص، الذي تضمّن عبارات مثل «عمليات استخباراتية» و«خطط انقلاب وفوضى»، أن فيدان عقد لقاءات سرية في باكو. ونفت السفارة التركية في باكو هذه الادعاءات ببيان شديد اللهجة، فحُذفت المادة بعد ذلك.
وأنا أيضًا أترقب المسار الذي ستتخذه التطورات. وأولي أهمية لقمة منظمة الدول التركية المقررة في أنقرة نهاية الشهر. فإذا شارك علييف فيها، فقد يتيح لقاء مباشر على هامشها طيّ صفحة هذا الجدل كله.
حتى لو هدأ الجدل الحالي، فقد تشهد العلاقات، بطبيعة الحال، اضطرابات جديدة مستقبلًا. ومن أسبابها المحتملة مسألة التطبيع مع أرمينيا (وقد أشرنا أعلاه إلى وجهتَي نظر تركيا وأذربيجان). أما السبب الثاني، فهو سعي بعض المجموعات في باكو إلى إعادة تعريف العلاقات مع تركيا، دون أن نسمّي ذلك «قطعًا للعلاقات»، وإعادة توجيه السياسة الخارجية الأذربيجانية (ويعكس هذا التوجهَ كلٌّ من ممر «تريب»، والبحث عن تحالفات مصغّرة في العالم التركي، وتطوير العلاقات مع إسرائيل).
قد يحقّق تعزيز العلاقات مع إسرائيل بعض المكاسب لأذربيجان في المجال الدفاعي، لكنه ينطوي على كلفة أيضًا. فإسرائيل لا تقيم علاقات متكافئة، بل تحاول التلاعب بالأطراف التي تتعامل معها (لم أُحصِ عدد المرات التي سرّبت فيها الاستخبارات الأمريكية إلى وسائل الإعلام أن القيادة الإسرائيلية تنشر معلومات مضللة لتضليل ترامب نفسه).
لا أقول إن إسرائيل افتعلت الجدل الأخير، لكنني أرى بصمات الموساد في الحجج المستخدمة فيه. فعبارات مثل «العثمانية الجديدة» و«السعي إلى الهيمنة»، التي تردّدها بعض وسائل الإعلام وحسابات التواصل الاجتماعي الأذربيجانية، هي نفسها التي تستخدمها إسرائيل ضد تركيا. بل إن استهداف بعض الأشخاص وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا» ومنظمات المجتمع المدني التركية مباشرة، على غرار ما فعله وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي الشهر الماضي، يكفيني لأرى البصمة الإسرائيلية في هذا الجدل.
نحن أمام مسار حساس وقضية حساسة. وطرح خلاف يخصّ تركيا وأذربيجان على الملأ لا يخدم أيًا من البلدين (لكنه يثير حماسة إسرائيل وإيران). فالمرحلة تتطلب الهدوء والتعقّل. ونعلم أن الرئيس أردوغان ونظيره علييف ينظران إلى الأمر من هذه الزاوية. أو هكذا يبدو، على الأقل، من أنقرة.

