بينما كنا نناقش المشكلات التي تشهدها العلاقات مع أذربيجان، هزّت تركيا، أول أمس، البحر المتوسط. بل اتخذت خطوات هيكلية طويلة الأمد على امتداد رقعة جغرافية واسعة، من الخليج إلى إندونيسيا، ومن باكستان إلى الأناضول، ومن البحر الأحمر إلى بحر إيجه.
وأظهرت مرة أخرى قدرتها على صياغة قواعد اللعبة في البحر المتوسط وفي أبعد أطراف المنطقة.
بدأ التفكير الجيوسياسي و«الصمت الثمين» يؤتيان ثمارهما. وبينما تهزّ المظاهرات الاحتجاجية أوروبا، من فرنسا إلى بلجيكا، ومن ألبانيا إلى إيطاليا، وتجري الولايات المتحدة وإسرائيل استعدادات جديدة لمهاجمة إيران، وتدخل الحرب الروسية الأوكرانية طريقًا مسدودًا، وتتسع مساحات الانقسام والصراع في العالم بأسره، تخوض تركيا وحدها نضالًا كبيرًا لتوسيع «المساحات المشتركة».
تطويق من الشرق لمواجهة تحالف مكة: ستفشل إسرائيل هنا أيضًا
أولى هذه الخطوات هي إحالة اتفاق تحالف مكة، المبرم بين تركيا والسعودية وباكستان، إلى البرلمان أول أمس للتصديق عليه.
وقد أظهر هذا التحالف، الذي يُتوقّع انضمام دول أخرى إليه، وأُنشئ على أساس أن «الاعتداء على أحد أعضائه يُعدّ اعتداءً على الجميع»، تأثيره بالفعل في كل مكان، من القوقاز إلى شرق أفريقيا، ومن اليمن إلى إسرائيل.
وتبذل إسرائيل، على وجه الخصوص، جهودًا هائلة لإفشال هذا التحالف الذي سيحدّ من نطاق تحركاتها وصراعاتها. بل تعمل على ثني الدول الراغبة في الانضمام إليه.
وتحاول توسيع الجبهة المناهضة لتركيا التي أقامتها مع الإدارة القبرصية اليونانية واليونان، وتطويق تركيا عبر القوقاز وآسيا الوسطى، وتهديد باكستان عبر الهند.
«درع دفاعية» على امتداد المنطقة. و«تكنولوجيا حربية» على امتداد المنطقة
لكن التهديدات والابتزاز لم يُجديا نفعًا، وقدّمت أنقرة الاتفاق إلى البرلمان. ولم يعد هناك مجال للتراجع. فمن الآن فصاعدًا، سيكون هناك دفاع مشترك في مواجهة الهجمات على السعودية، بما فيها مكة والمدينة. وسيكون هناك دفاع مشترك في مواجهة الهجمات على باكستان، وتحرك مشترك في مواجهة الهجمات على تركيا.
ينبغي أن يتجاوز هذا التحالف نطاق «الدول المؤسسة»، وأن يتحول إلى درع دفاعية تشمل المنطقة. وأظن أن الإرادة والتوجهات تسيران في هذا الاتجاه.
كما أن هذه الشراكة الدفاعية تشمل في الوقت نفسه شراكة في التقنيات الحربية. وهذا يعني أن الدول الثلاث ستبني هياكل مشتركة في مجال التقنيات الحربية المتقدمة. ويمكن توقّع ما قد تتضمنه هذه الشراكة.
خبر من ليبيا: رُسمت خريطة جديدة في المتوسط. وخسرت الجبهة الإسرائيلية اليونانية
ظهر المثال الثاني على التفكير الجيوسياسي التركي في اليوم نفسه أيضًا. فقد صدّقت إدارة حفتر، التي تتولى إدارة شرق ليبيا، بدورها على اتفاق ترسيم مناطق الصلاحية البحرية «المنطقة الاقتصادية الخالصة» الموقّع بين تركيا وليبيا. وباتت هذه الوثيقة الأممية سارية المفعول، وأوجدت خريطة جديدة في البحر المتوسط.
مارست إسرائيل واليونان ضغوطًا كبيرة على إدارة حفتر كي لا تصدّق على الاتفاق، بل هددتاها. لكن حكومة بنغازي عرفت كيف تردّ بحزم: «هذا خيار ليبيا، ولا شأن لكم به».
وتلقّت الجبهة الإسرائيلية اليونانية الهدف الكبير الثاني في مرماها بعد تحالف مكة. أما الذين كانوا يرون عقيدة «الوطن الأزرق» مجرد حلم أو غاية عاطفية، فقد وجدوا أنفسهم، بهذه الخطوة، أمام خريطة قوى جديدة تمامًا في شرق المتوسط.
لم يعد أحد يكترث بالاتحاد الأوروبي. والآن ستنفجر قضية «الجزر»
أصدر الاتحاد الأوروبي بيان إدانة عاجلًا. وسارعت اليونان والإدارة القبرصية اليونانية إلى الإدانة. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنهم يشعرون بـ«أسف عميق»، وإن الاتفاق «باطل ولاغٍ».
لكن هذه المواقف لن يكون لها أي أثر على الأرض. ومع وضوح المشكلات الداخلية للاتحاد الأوروبي والتهديد الروسي، لا نعتقد أن أحدًا سيأخذ هذا البيان على محمل الجد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ حذّرت ليبيا اليونان التي كانت تجري أعمالًا جنوب جزيرة كريت، خارج مياهها الإقليمية. وكان ذلك من أولى نتائج التصديق على الاتفاق.
وستنفجر في وجه اليونان من الآن فصاعدًا «مشكلة جزر» بالغة الخطورة، وستنتهي نزعتها إلى اعتبار الجزر الواقعة على مسافة من برّها الرئيسي امتدادًا لحدوده.
يجب إبرام اتفاق مماثل مع مصر. فالجبهة الإسرائيلية اليونانية تهدّد مصر أيضًا
سارعت إسرائيل واليونان إلى استخدام الورقة المصرية. وبدأتا تضعان حسابات لاستمالة مصر إلى جانبهما في مواجهة تركيا، بهدف موازنة النفوذ التركي في البحر المتوسط.
ولا يُعرف مدى جدوى ذلك أو ما إذا كان سيؤتي ثماره، لكن إبرام اتفاق مماثل لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا ومصر يُعدّ حاجة ملحّة.
فمثل هذا الاتفاق، الذي سيحمي حقوق مصر وتركيا معًا، سيوسّع نطاق مصر البحري ويعزّز قوتها في المتوسط.
وتكفي أهداف إسرائيل تجاه سيناء، ومحاولاتها فتح باب للصراع مع مصر، لكشف النيات غير الحميدة إطلاقًا للجبهة الإسرائيلية اليونانية.
ضعوا الآن هذه الخرائط الثلاث أمامكم وانظروا! ماذا ترون؟
ظهرت الخطوة الجيوسياسية التركية الثالثة في اليوم نفسه أيضًا. فقد أعلنت تركيا وباكستان وإندونيسيا وقطر أنها ستوقّع مذكرة تفاهم للتعاون في الصناعات الدفاعية. «وُقّع الاتفاق أمس».
وستشمل «مذكرة تفاهم بدر» تقنيات الدفاع ونقل المعرفة والتدريب وأنشطة البحث والتطوير. وستجمع هذه الدول الأربع قدراتها الدفاعية وإنتاجها الدفاعي.
وقعت التطورات الثلاثة أول أمس، في اليوم نفسه. ولنتصور الآن خريطة على النحو الآتي: مع اتفاق مكة، تضامن يمتد من السعودية والبحر الأحمر إلى جنوب آسيا وباكستان.
ومع الاتفاق البحري الليبي، تتشكّل خريطة وتُبنى قوة في شرق المتوسط، من ليبيا إلى خليج إسكندرون وسواحل بحر إيجه.
ومع اتفاق الصناعات الدفاعية بين الدول الأربع، ينشأ تضامن جديد على خط يمتد من جنوب شرق آسيا «إندونيسيا» إلى جنوب آسيا «باكستان»، ومن الخليج «قطر» إلى البحر المتوسط والأناضول.
من البحر المتوسط إلى مضيق ملقا: «الممرات الوسطى» البحرية تتشكّل!
انظروا إلى هذه الخرائط جميعًا بوصفها أجزاءً من كلّ واحد. وضعوا الخريطة أمامكم وتأملوها بعناية.
تضافر للقوى في مساحة هائلة تمتد من البحر الأحمر وشرق المتوسط إلى المحيط الهندي ومضيق ملقا… وتركيا في مركز هذا كله. إنها خطوات عملاقة لبناء عالم اليوم والغد. هكذا يكون التفكير الجيوسياسي، وهكذا تتجلى خبرة الإمبراطوريات.
في عصر الأقوال الكبرى والطموحات الكبرى والمواجهات الكبرى، لن يفهم الذين تعمي التفاصيل الصغيرة أبصارهم هذا التفكير وهذه الجهود وخطط المستقبل.
ولن يدركوا كيف تهزّ عمليات التكامل الجغرافي، التي تُدار بعقل عميق وهادئ وحكيم، جميع خرائط القوى والترتيبات الممتدة لمئات السنين على المحور الرئيسي للعالم.
فلنرَ الآن كيف يُبنى نظير «الممر الأوسط» البري في البحار والممرات البحرية.
«الممر الأوسط» أكبر مصدر قوة للعالم التركي. ولكل دولة فيه…
ويمثّل القوقاز وآسيا الوسطى أحد أركان هذا التقارب الجغرافي الواسع. فالممر الأوسط الممتد من الصين إلى أوروبا هو أكبر مصدر قوة للفضاء التركي الإسلامي في القرن الحادي والعشرين. إنه فرصة للنهوض بكل دولة وكل شعب في هذا الحزام، وزيادة ثرائهما وقوتهما.
ومن يتأمل عدد القرون التي مرّت قبل أن تتاح هذه الفرصة، سيُبهره حجم الإمكانات التي تنطوي عليها.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، قد يتسبب الذين يحاولون زرع بذور الفتنة بين تركيا وأذربيجان، والذين يسعون إلى شطر المنطقة إلى قسمين انطلاقًا من القوقاز، وخطط التفريق التي تنفّذها إسرائيل وعناصرها في هذا الاتجاه، في كابوس يمتد مئة عام لنا وللدول الواقعة على هذا الممر.
وينبغي إيلاء توقيت ذلك اهتمامًا خاصًا. فالتطورات الثلاثة التي ذكرتها آنفًا تكفي وحدها دليلًا واضحًا على موضع المصدر الرئيسي للمشكلة بين تركيا وأذربيجان.
هم يقيمون «جبهات هدم»، وتركيا توحّد المنطقة. وستنهار كل هذه الجبهات!
تتسارع التطورات، وتُتخذ خطوات بالغة الأهمية. وجميع الدول على امتداد هذه الرقعة الجغرافية الواسعة تواجه خيارًا وجوديًا.
وسيتشكل غد كل طرف وفق ما يختاره اليوم. لكن التاريخ أغلق أبوابه أمام الذين يريدون تسليم هذه المنطقة للوصاية الغربية مئة عام أخرى.
وتُظهر خطوات أول أمس أن العمليات الإسرائيلية لم تستطع إحداث أي تردد لدى تركيا. فقبل يوم واحد من هذه التطورات الثلاثة، كانت إسرائيل قد هددت تركيا بالحرب، بل بانقلاب داخلي. وبينما يواصلون إقامة جبهات الهدم، تواصل تركيا توحيد المنطقة.
استعدادًا لصراع تركي إسرائيلي محتمل، وبهدف كسر النفوذ الإقليمي التركي، أُقيمت ضد تركيا «الجبهة الإسرائيلية القبرصية اليونانية» في قبرص، و«الجبهة الإسرائيلية اليونانية» في بحر إيجه، و«الجبهة الإسرائيلية الإماراتية» في الخليج.
والآن يحاولون إقامة جبهتين أخريين: «الجبهة الإسرائيلية الأذربيجانية» في القوقاز، و«الجبهة الإسرائيلية الألبانية» في البحر الأدرياتيكي… ولن ينجحوا.
تركيا لا تنام، ولن تنام أبدًا. و«الصمت الثمين» سينجح
بينما تسعى تركيا إلى «توحيد الخرائط»، تواصل إسرائيل «تمزيق الخرائط». وقد حان الوقت لإغلاق الأبواب أمام ما تشهده الأراضي العربية منذ ثلاثين عامًا.
حان الوقت لكي تنتج هذه المنطقة فكرها الخاص. وحان الوقت لكي تستثمر في ذاتها هذه المنطقة التي تشكّل المحور الرئيسي للعالم ومركزه ومصدر كل القوى والثروات.
وهذا ما تفعله تركيا: بلا خوف ولا كلل ولا خضوع، وبفكر حكيم وأساليب حكيمة… وستنجح حقًا.
قد يغرق مثيرو الضجيج في ضجيجهم ويتلاشون. أما «الصمت الثمين» فيبني مع شركائه قوة المستقبل. تركيا لا تنام، ولن تنام أبدًا.

