حصيلة "أمريكا أولًا" في حربي أوكرانيا وإيران

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
10:02, 21/10/2026, الأربعاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
حصيلة "أمريكا أولًا" في حربي أوكرانيا وإيران

يمكن النظر إلى سياسة إدارة ترامب الحالية تجاه أوكرانيا بوصفها تجسيدًا عمليًا لأيديولوجيا «أمريكا أولًا». وتقوم هذه الأيديولوجيا أساسًا على مفاهيم السيادة الوطنية، والقومية الاقتصادية والحمائية، وتخفيف أعباء أمريكا في النظام الدولي، والسلام من خلال القوة، وضبط النفس الاستراتيجي، والواقعية البراغماتية. لكن من الصعب القول إن إدارة ترامب تلتزم بهذه المفاهيم على نحو متسق وتطبّقها بثبات.

فقد أظهرت حرب إيران، على وجه الخصوص، أن مبادئ «أمريكا أولًا» يمكن تعليق العمل بها من أجل إسرائيل، أو تطبيقها بصورة انتقائية على الأقل. وشهد الموقف من حرب أوكرانيا تقلبات كثيرة أيضًا، لكن ترامب يواصل التأكيد أن هذه الحرب، في الأصل، «ليست مشكلة أمريكا». وكان يريد إنهاء حرب إيران بانتصار سريع ثم الانسحاب، لكنه يجد صعوبة في الخروج من هذا الصراع بسبب تأثير إسرائيل في السياسة الداخلية الأمريكية.

«ما شأننا بأوكرانيا؟»

نجح خطاب ترامب القومي القائم على شعار «أمريكا أولًا»، قبل انتخابات عام 2024، في طرح سؤال مؤثر: لماذا نساعد أوكرانيا بينما نعجز عن حماية حدودنا؟ ومن منطلق السيادة الوطنية، انتقدت هذه الأيديولوجيا طموح بايدن إلى قيادة العالم ودخول أمريكا في حروب «حمقاء»، ووعدت بإنهاء الحروب والتركيز على أمن البلاد. وفي مقابل بايدن، الذي رأى في مساعدة أمريكا لأوكرانيا قضية تتعلق ببقاء الحضارة الغربية، وعد ترامب بإنهاء الحرب «في يوم واحد» عبر الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع روسيا.

ورغم أنه لم يفِ بوعده، فقد هدم التصور القائل إن هذه الحرب تقع، بشكل ما، ضمن مسؤولية أمريكا. وانسجامًا مع القومية الاقتصادية والنهج الحمائي، خاض حربًا تجارية مع أوروبا، وفي الوقت نفسه نقل إليها مسؤولية مساعدة أوكرانيا. وبينما سعى بذلك إلى تخفيف أعباء أمريكا في النظام الدولي، واصل بيع الأسلحة بمنطق براغماتي.


باتت حرب أوكرانيا حرب أوروبا، وكانت أمريكا في عهد ترامب تحاول أن تنأى بنفسها عن هذا الصراع. ويمكن النظر إلى قرار واشنطن الأخير رفع العقوبات عن روسيا من هذه الزاوية أيضًا. فبعدما أبرم ترامب اتفاقًا مع بوتين بشأن الديزل والبنزين لمعالجة أزمة الطاقة، ذهب أبعد من ذلك وعلّق العقوبات والرسوم الجمركية الإضافية المفروضة على روسيا.

وتسعى الإدارة بهذه الخطوات إلى تخفيف أزمة أسعار الطاقة التي تواجهها أمريكا، من دون أن تولي اهتمامًا كبيرًا للحجة القائلة إن ذلك سيساعد روسيا على تمويل الحرب. ويفضّل ترامب التفاوض والدبلوماسية المباشرة على المنصات والقواعد الدولية، فيختار اللقاء بالزعيم الصيني شي والزعيم الروسي بوتين وإبرام الاتفاقات معهما. أما نهج «السلام من خلال القوة»، الذي يفترض أن أمريكا ستصبح قوية بإعطاء الأولوية لمصالحها، وأن هذه القوة يمكن أن تتحول إلى سلام، فلا يتبنى الرؤية القائلة إن تعزيز قوة أوكرانيا سيدفع روسيا إلى طاولة المفاوضات.

ضبط نفس استراتيجي أم نقطة عمياء في الرؤية الاستراتيجية؟

كانت الحرب مع إيران أبرز مثال على صعوبة تطبيق أيديولوجيا «أمريكا أولًا» باتساق على أرض الواقع. فقد قاومت الإدارات الأمريكية طوال سنوات مساعي إسرائيل لجرّ أمريكا إلى حرب مباشرة، وفضّلت خوض صراع غير معلن مع إيران. وشكّلت عمليات محدودة النطاق، مثل فيروس «ستاكسنت» الذي استهدف البرنامج النووي الإيراني، واغتيال العلماء، وقتل قاسم سليماني، الوجه الظاهر لحرب استمرت طويلًا في الخفاء. وتغيّر هذا النمط في ولاية ترامب الثانية بدخول أمريكا الحرب مباشرة.

وبينما حوّلت رغبة إسرائيل في استغلال هجمات 7 أكتوبر فرصةً لخوض حرب إقليمية مع إيران المنطقةَ إلى ساحة مشتعلة، عزّزت أيضًا رغبة ترامب في استعراض القوة. فقد اعتقد ترامب، بعد عملية مادورو، أنه سيهزم إيران سريعًا أيضًا، فلم يلتزم بمبدأ ضبط النفس الاستراتيجي. ونجح نتنياهو في إقناعه بأن عملية «قطع الرأس» في إيران ستنجح، وفي تنفيذ مناورات تدفعه إلى الحرب وتضيّق خياراته. وكان ذلك يعني أن أيديولوجيا «أمريكا أولًا» اصطدمت، إن صح التعبير، بالعمى الاستراتيجي تجاه إسرائيل.


لم تكن حرب إيران، التي انتقدتها بشدة قاعدة ترامب نفسها ومؤيدوه في الصحافة، نتاج استراتيجية تنسجم مع المبادئ الأساسية لـ«أمريكا أولًا». فالآثار التضخمية لأزمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الحرب لم تخدم القومية الاقتصادية، ولا هدف تخفيف أعباء أمريكا ومسؤولياتها الدولية. وقد تحدّث ترامب، منذ الأيام الأولى للحرب، عن التوصل إلى اتفاق مع إيران، مشيرًا إلى استعداده لإنهائها بمنطق براغماتي، لكنه لم يمنع، أو لم يستطع منع، جهود إسرائيل لإفشال التوصل إلى سلام سريع. ورغم محاولته تبرير حرب إيران بالملف النووي، لم يتمكن من إقناع الرأي العام بأن هذا الملف يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمريكا.

وعجز ترامب عن حل أزمة هرمز، وبدا كأنه يترك حلفاءه العرب في الخليج وحدهم أيضًا، مما أضعف رصيد أمريكا في المنطقة. وبالطبع، لم تكن حماية الحلفاء في المنطقة على رأس أولويات إدارة لا تطمح إلى قيادة العالم وتضع أمن أمريكا أولًا. وبهذا المعنى، يمكن القول إنها عملت بمقتضى أيديولوجيا «أمريكا أولًا». لكن صورة الضعف التي ظهرت بها، وهي تنسحب بعدما وضعت حلفاءها في مواجهة إيران في حرب بدأتها بنفسها، لا تنسجم مع فكرة «السلام من خلال القوة».


يتجلى تطبيق إدارة ترامب مبادئ «أمريكا أولًا» بصورة انتقائية وغير متسقة في سياساتها تجاه حربَي أوكرانيا وإيران. والدول ليست، بالطبع، ملزمة بالاتساق، وكثيرًا ما تتبع سياسات متناقضة. لكن في حالة إدارة ترامب تحديدًا، يمكن القول إن أيديولوجيا «أمريكا أولًا» تتشكّل وفق تطبيقاته الانتقائية بحسب الظروف، ووفق العمى الاستراتيجي الأمريكي تجاه إسرائيل. وبينما تعارض هذه الأيديولوجيا الدور العالمي لأمريكا من دون أن تتخلى عنه كليًا، فإنها تواصل إرسال رسائل متداخلة إلى العالم، وتؤخّر الانتقال إلى نظام دولي جديد. ويبدو النظام الدولي عالقًا في معادلة يمكن وصفها بأنه لا يستقيم مع أمريكا، ولا يستقيم من دونها.