كتبتُ في مقالي السابق أن نتنياهو قد يتسبب، بعد إقناع ترامب أيضاً، في نشوء تهديد يثير الذعر على مستوى العالم، بما في ذلك احتمال شن هجوم نووي. وهذا ليس تشاؤماً أو مجرد مخاوف، بل إن الاستعدادات تسير في هذا الاتجاه، وهناك مؤشرات قوية للغاية على أن أياماً خطيرة قد بدأت بالفعل في منطقتنا بأسرها.
إن الاستعدادات السرية والعلنية، وإخلاء السفارات، والحشود العسكرية غير التقليدية، كلها مؤشرات تدل على أن الهجوم المرتقب لن يكون تقليدياً، وأن أسلحة أشد تدميراً ستُستخدم فيه. وربما كانت إسرائيل والولايات المتحدة تستعدان لبدء عصر الهجمات النووية.
نتنياهو سيقدم على مغامرة نووية جنونية!
وفي مقالي الشابق، حذرتُ قائلاً: "إذا فاز نتنياهو في الانتخابات، فستُستخدم الأسلحة النووية، وستندلع حرب بين تركيا وإسرائيل". واليوم أكرر التحذير نفسه، مع التأكيد أن الخطر قائم إذا تمكن نتنياهو من البقاء في السلطة بأي وسيلة كانت. بل إنني حذرتُ أيضاً من أنه حتى لو خسر الانتخابات، فقد يُقدم على هذه المغامرة النووية الجنونية خلال الفترة التي تسبق رحيل حكومته وتسلّم حكومة جديدة السلطة.
لستُ ممن يسعون إلى نشر الخوف باستمرار، لكنني لا أعتقد أن الكتّاب والخبراء الأمنيين الذين يتباهون بثقة جوفاء، مرددين أن «كل شيء على ما يرام»، يدركون حقيقة ما يجري اليوم أو ما يمكن أن يحدث لاحقاً.
فأوروبا بأكملها تهتز على وقع المظاهرات في الشوارع، وقد تجد بولندا نفسها في مواجهة انقلاب خلال يوم واحد من دون أي مقدمات. إذ بات من الممكن أن تنزلق الدول إلى الأزمات خلال يوم واحد، بل خلال ساعات معدودة.
هل يحدث ذلك خلال أيام قليلة؟!
وجاء أمس تصريح مشابه على لسان الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، قال فيه: «قد يصدر ترامب، الواقع تحت ضغط نتنياهو، أمراً بشن هجوم نووي على إيران خلال أيام قليلة».
ويرى كارلسون أن هذا الهجوم قد يفتح الباب أمام روسيا لشن هجوم نووي على أوكرانيا، والهند على باكستان، وكوريا الشمالية على كوريا الجنوبية، وهو ما سيجعل اندلاع حرب عالمية ثالثة أمراً لا مفر منه.
أما أنا، فلم أبدأ التحذير من هذا الخطر استناداً إلى تصريحات كارلسون، بل إنني أكتب عنه منذ مدة طويلة بناءً على قراءتي الخاصة للتطورات الإقليمية. فالتهديدات التي اتخذت أبعاداً تشمل المنطقة بأسرها عقب الإبادة الجماعية في غزة مباشرة، إلى جانب المؤشرات التي تكشف ما يدور في ذهن إسرائيل وينعكس في استعداداتها، جعلتنا ندرك أن منطقتنا تواجه تهديداً نووياً هائلاً.
عولمة الإبادة الجماعية وبداية عصر الهجمات النووية
لم تعد إيران وحدها تدرك هذا التهديد، بل باتت تركيا والسعودية وباكستان وجميع دول المنطقة تعيه أيضاً، وهي في حالة استعداد استثنائي لمواجهته. لقد أدركنا أن «المشكلة الإسرائيلية» تحولت إلى تهديد مشترك للجنس البشري بأسره، وقريباً سيدرك العالم كله، والبشرية جمعاء، هذه الحقيقة.
إن عولمة الإبادة الجماعية، وبدء عصر الهجمات النووية، وانكشاف العقلية المريضة التي بات اليمين الإسرائيلي المتطرف يمثلها، كلها مؤشرات على حجم الخطر المشترك الذي يجري تشكيله ضد شعوب العالم كافة.
فكل دولة، وكل شعب، وكل منطقة جغرافية، باتت معرضة لدفع ثمن اتساع هذا التهديد وتحوله إلى خطر عالمي.
وفي الوقت الذي تواجه فيه تركيا أزمة تمويل داخلية، ويُثار فيه الجدل بشأن التوتر في علاقاتها مع أذربيجان، تتضح الصلة بين هاتين المسألتين وارتباطهما بالتهديدات التي أحذّر منها في هذا المقال. وفي ظل هذه التطورات، يتعين علينا التحلي بأقصى درجات اليقظة، وإدراك حجم المخاطر التي تواجه بلدنا ومنطقتنا، واتخاذ تدابير استثنائية لمواجهتها دون أي تأخير.
هل تكون تركيا الهدف التالي بعد إيران؟ مؤامرة كبرى ستُحاك ضد مكة والمدينة
لا أعرف مدى صحة ما قاله محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بشأن تداول أحاديث خلال زيارة حلف مكة إلى طهران، تفيد بأن «إسرائيل ستهاجم تركيا والسعودية بعد إيران».
لكننا لم نعد بحاجة إلى مثل هذه التصريحات. فالصورة باتت واضحة، والتهديدات التي تستشعرها الدول واضحة، وكذلك الحقائق المتعلقة بما قد يحدث في الخطوة التالية.
لقد بدأت الجبهات تتشكل بوضوح شديد. فبينما كانوا لا يزالون يخوضون الحرب ضد إيران، فتحوا جبهة ضد السعودية. ولم تعد المسألة تتعلق باليمن أو الحوثيين، بل أصبحت مرتبطة بوحدة السعودية وسلامة أراضيها. وكل ذلك حدث خلال أسابيع قليلة. وبات واضحاً أن استراتيجية هجومية تستهدف تفكيك السعودية آخذة في التبلور.
فالذين يوجهون ضرباتهم اليوم عبر الحوثيين، سيحاولون غداً تحقيق أهدافهم من خلال إشعال صراعات داخلية ونزاعات قبلية، وإن لم يكفِ ذلك، فسوف يلجؤون إلى مؤامرة مروعة تستهدف مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وفي خضم هذه التطورات، تبرز الغارات الجوية الأردنية على الأراضي السورية باعتبارها جزءاً من هذه الخطة الشاملة، وهو ما يستوجب متابعتها عن كثب، لأن ما حدث لن يكون الأخير.
إذا تمسكتم بالانقسامات المذهبية والعرقية فستواجهون الإبادة
يجب وضع حد لهذا الجنون!
على الجميع ألا ينظروا إلى هذه التطورات من منظور الاختلافات العرقية والانقسامات المذهبية، لأنهم بذلك سيرتكبون خطأً فادحاً، وسيعرّضون بلدانهم لخطر الإبادة.
فالصراعات بين دول هذه المنطقة، والنزاعات الداخلية، والاحتلالات الإسرائيلية والغربية، جميعها صيغت على أساس النزاعات والانقسامات والعداوات العرقية والمذهبية. وقد حان الوقت لوضع حد لهذا الجنون.
عندما شنوا هجومهم الأول على إيران، لم يكن أحد يتوقع أن تتمكن من الصمود بهذه القوة. فقد اعتقدوا أنها ستنهار خلال أسابيع قليلة، وأن النظام سيسقط، وأن الشعب الإيراني سيتولى زمام الحكم. لكن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا حتى الآن من تجاوز مضيق هرمز، إذ أفسدت الصواريخ الإيرانية حساباتهما.
إيران: سنضرب نيويورك وواشنطن أيضاً
فهل هذا ممكن؟
كان الجميع يعتقد أن إيران ستكتفي بالدفاع عن نفسها، ولم يتوقع أحد أن تجرؤ على شن هجمات بهذا الحجم ضد القواعد الأمريكية في المنطقة. فللمرة الأولى في التاريخ، تعرضت القواعد الأمريكية لضربات بهذه القوة، حتى إنها لم تتمكن من الدفاع عن نفسها. وكان هذا هو الجانب الذي قلب الحسابات في الحرب على إيران.
والآن يستعدون لشن هجوم ثانٍ، لكنهم يقولون هذه المرة: فلنُخضعها باستخدام السلاح النووي. فهم لا يمتلكون القدرة على احتلال هذا البلد، ولم يتمكنوا من إخضاعه بالغارات الجوية والهجمات الصاروخية، كما أن الشعب الإيراني لم يقف إلى جانبهم. ولذلك، فإن الخيار الوحيد من وجهة نظرهم هو شن هجوم نووي.
وفي المقابل، أعلنت إيران أنها ستضرب القواعد الأمريكية ليس في المنطقة فحسب، بل في بريطانيا وألمانيا أيضاً، وأنها ستستهدف نيويورك وواشنطن.
كل دولة ستكون لديها مفاجآتها
هل هذا ممكن؟ أعتقد أنه ممكن. فتكنولوجيا الصواريخ لا حدود لها، ولم يعد هناك مكان على وجه الأرض يتعذر الوصول إليه. ومع تقنيات الحروب الحديثة، لم يعد هناك ما يُسمى «الجبهة».
لكن ماذا سيحدث إذا استهدفت إيران العاصمة الأمريكية بالصواريخ؟ أو إذا قصفت مدناً أوروبية وقواعد أمريكية في أوروبا؟ هذا ممكن. فلم يعد أحد يعرف حجم ما تمتلكه الدول من صواريخ بعيدة المدى، ولا المدى الذي يمكن أن تصل إليه.
وقد تكون لدى كل دولة مفاجآتها. وماذا لو استخدمت إسرائيل السلاح النووي، وردّت إيران بإطلاق صاروخ نووي على إسرائيل؟ نعم، يبدو ظاهرياً أن إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً، ولكن ماذا لو كانت تمتلكه بالفعل، أو حصلت عليه من جهة ما؟
ماذا لو ضربت إيران إسرائيل بصاروخ نووي؟!
لم يسبق للعالم أن واجه تهديداً عالمياً بهذا الحجم، أو أن اقترب إلى هذا الحد من حافة الهاوية. ولم يسبق أن ساد خوف بهذا المستوى من احتمال انفجار أسلحة نووية فوق المدن، الواحدة تلو الأخرى، في أي لحظة. ولم يسبق أن بلغ قلق العالم هذا الحد بشأن ما قد يحمله «الشتاء» الذي قد يستيقظ عليه ذات صباح.
إن جميع هذه التهديدات تتمحور حول إسرائيل وتنبع منها. وهذا تحديداً ما نقصده عندما نقول: «لقد أعلنوا الحرب على الجنس البشري».
على تركيا وباكستان والسعودية إنشاء قوة نووية مشتركة على وجه السرعة
يتعين على تركيا وباكستان والسعودية أن تؤسس، بصورة عاجلة ومن دون إضاعة يوم واحد، قوة ردع نووية مشتركة، وأن تنشئ درعاً نووية دفاعية مشتركة. ولم يعد هناك مجال للنقاش في هذه المسألة.
فإذا كان التهديد النووي الصادر من إسرائيل قادراً على الامتداد إلى المنطقة بأسرها، فلا بد أن تشعر إسرائيل بالتهديد نفسه. وإذا كانوا قد عقدوا العزم على إبادة الشعوب والدول، فيجب أن يواجهوا هم أيضاً خطر الإبادة.
لم تعد هناك أي آليات إقليمية أو دولية لتحقيق السلام أو إيجاد الحلول. وباستثناء تركيا وعدد قليل من الدول، وأردوغان وقلة من القادة، لم يعد هناك من يبادر إلى حماية البشرية من التهديدات أو يسعى إلى إقامة طاولات للحوار والسلام، ولم تعد هناك أي آلية دولية تقوم بهذا الدور.
ولم يعد أمام البشرية أي طريق أو خيار سوى «إما أن تهاجم وإما أن تدافع عن نفسك». ولم يسبق أن مررنا بزمن أصبح فيه الاكتفاء بالدفاع بمثابة انتحار كما هو الحال اليوم.
تركيا لا تستطيع في هذه الظروف التسامح مع التحركات الخفية في الداخل
دعكم من الحوثيين وأرض الصومال وحركة الشباب… فهذه ليست سوى أدوات، وقوى مسلحة تستخدمها جهات أخرى في منطقتنا. لقد جرى تمرير كل كارثة كبرى عبر تشكيلات مشابهة؛ فهي التي فتحت الأبواب، ثم دخل الآخرون من خلالها.
لكن زمن هذه الأدوات انتهى أيضاً. فقد بدأ عصر الهجمات المباشرة، وهذا يعني الانجراف نحو حروب بين الشعوب.
وعلى تركيا أن تسارع، من دون إضاعة الوقت، إلى معالجة مشكلاتها الداخلية جذرياً، سواء ما يتعلق بأزمة التمويل أو غيرها، وأن تعمل على تصفية هذه المشكلات والاستعداد للتهديد الكبير الجديد الذي يطاول المنطقة بأسرها.
وفي مرحلة كهذه، لا مجال للتسامح مع الذين يسعون وراء أهوائهم الشخصية، ولا سيما المنخرطين في مثل هذه التنظيمات داخل البلاد. ففي الوقت الذي تستعد فيه الدولة لأمور كبرى، ويبدأ الشعب بإدراك حجم التهديدات المتصاعدة، يصبح من الضروري الإسراع في معالجة التحركات الخفية في الداخل وتحييدها.
فبينما ننشغل نحن بملفات مصطفى ساريغول القذرة، والتحقيقات المتعلقة بمن جمع مليارات أكثر من غيره، وحالات المسؤولين الذين خانوا دولتهم، ينشغل أولئك بوضع خطط لإبادة دول بأكملها من خلال هجمات نووية. إلى هذا الحد بلغ اختلال المشهد!
التأجيل والتأخر انتحار.. حان وقت العودة إلى الأمة المقاتلة
ليس من الواضح ما إذا كان نتنياهو سيصل إلى السلطة أم لا. لكن من الواضح أن هناك أمراً سيُحاولون تنفيذه مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. فهل يستطيع العالم منع هذه العاصفة المشؤومة؟ يجب عليه أن يمنعها. ينبغي وقف إسرائيل وإخضاعها وتحييدها وتجريدها من قوتها.
فما دامت إسرائيل موجودة، فلن تنعم هذه المنطقة بالسلام طوال القرن الحادي والعشرين. وقد أدركنا الآن أنه ما دامت إسرائيل موجودة، فلن ينعم العالم أيضاً بالسلام خلال هذا القرن.
وستكون إسرائيل أيضاً سبباً في اندلاع الحرب العالمية الثالثة التي يكثر الحديث عنها. ولم يعد هناك أي شك في أن هذا الشعب، الذي يخوض حرباً ضد الجنس البشري، ويعلن الحرب على الله، سيدفع العالم نحو كوارث كبرى.
النوم انتحار. والتأخر انتحار. والتأجيل انتحار. على تركيا أن تصبح قوة نووية على وجه السرعة. لقد حان وقت العودة إلى الأمة المقاتلة!

