رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في الحرب التي بدأت بهجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تواصل إسرائيل فرض استمرار عملياتها العسكرية باعتباره "حقًا طبيعيًا". وفي الوقت نفسه، تباهى ترامب بأنه نجح في تثبيت وقف إطلاق النار، لكنه اعتبر استمرار الهجمات الإسرائيلية أمرًا طبيعيًا ضمن سياق الحرب، وبذلك قام بتطبيع هذا "الحق" وفق رؤيته الخاصة.
في المقابل، عندما أسقطت إيران مروحية أمريكية، اعتبر ترامب ذلك خروجًا عن "طبيعة الأمور"، وشنّ هجومًا كبيرًا على إيران تحت ذريعة "حق الرد". وهكذا، اتضح مجددًا مدى غياب الضوابط، وانعدام القواعد، وعدم موثوقية الالتزامات لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا هو جانبهم، وقد فهمناه. لكن ماذا عن الجانب الآخر؟ ماذا عن حقيقة أن إيران، في كل مرة تتعرض فيها لهجوم إسرائيلي أو أمريكي، تكون أولى ردود فعلها استهداف إحدى دول الخليج؟
فقد استهدفت إيران، عقب آخر هجوم إسرائيلي، مطار الكويت. ولم تكن هناك طائرات أمريكية أو قوات عسكرية أمريكية في ذلك الموقع. فما الهدف الذي تسعى إليه إيران من ضرب الكويت؟ هل تتوقع أن تضغط الكويت أو دول الخليج الأخرى على الولايات المتحدة لوقف الهجمات على إيران؟ وهل لا تدرك إيران أن لا الكويت ولا غيرها من دول الخليج تملك هذا التأثير أو القدرة على الضغط على واشنطن أو تل أبيب؟
واللافت أن الأهداف المعلنة في البداية لم تكن القواعد الأمريكية أصلًا. ولو كان الهدف الحقيقي هو القواعد الأمريكية، لكانت هناك أهداف واضحة وسهلة الاستهداف مثل الأسطول البحري الأمريكي الموجود في المنطقة. فمعظم العمليات لم تعد تُنفذ من قواعد في دول الخليج، بل من تلك القوات المنتشرة مباشرة، أو من داخل إسرائيل نفسها.
في البداية كان يمكن فهم استهداف إيران للقواعد الأمريكية في الخليج، لكن مع الوقت أصبح واضحًا أن هذه القواعد تحولت إلى ذريعة لضرب دول الخليج نفسها. فإيران لم تعد تضرب القواعد الأمريكية في الخليج، بل باتت تضرب دول الخليج مباشرة.
إن الحروب لا تُقيَّم فقط بالمنطق العسكري، بل بنتائجها السياسية أيضًا. فاستهداف هدف ما لا يعني دائمًا تحييده استراتيجيًا. ومن أهم الحقائق التي أظهرتها الحرب الأخيرة أن ضرب إيران لدول الخليج لم يُلحق ضررًا حقيقيًا بإسرائيل، ولم يحقق لإيران مكاسب دائمة تُذكر.
بل على العكس، فإن هذه الاستراتيجية قد تصب في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل.
ذلك أن النقطة الجوهرية التي يتم تجاهلها هي أن قطر والكويت وسلطنة عمان، وحتى السعودية في السنوات الأخيرة، ليست أطرافًا منخرطة إلى جانب إسرائيل في الصراع الإيراني الإسرائيلي. بل إن معظم هذه الدول، رغم عدم تقديمها دعمًا كافيًا لغزة خلال الحرب، عبّرت بوضوح عن انتقاداتها لإسرائيل، وراعَت حساسيات الرأي العام العربي تجاه القضية الفلسطينية، وسعت دبلوماسيًا لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
ولا تزال الكويت حتى اليوم لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
أما قطر، فقد كانت مركزًا رئيسيًا للمفاوضات بين حماس والغرب في ملف غزة، وبقيت من أشد المنتقدين لإسرائيل.
وسلطنة عمان تقوم منذ سنوات بدور الوسيط بين إيران والغرب.
في حين أن السعودية اتخذت خطوات مهمة مؤخرًا نحو تطبيع العلاقات مع إيران.
وفي ضوء كل ذلك، يبرز سؤال أساسي: من الذي تعاقبه إيران فعليًا؟ إسرائيل أم جيرانها الذين يحاولون البقاء على الحياد، بل ويبتعدون في كثير من الملفات عن إسرائيل؟
الجواب يكمن في النتائج السياسية للحرب. فهجمات إيران على الخليج لم تُضعف آلية اتخاذ القرار في إسرائيل، ولم تُنهِ تفوقها الجوي، ولم توقف عملياتها العسكرية، ولم تُقلص من حركتها الدولية.
في المقابل، أدت هذه الهجمات إلى تعزيز الشعور بالتهديد تجاه إيران في العواصم الخليجية. وبالتالي فإن النتيجة لم تكن إضعاف العدو، بل دفع الجيران إلى الابتعاد.
وهنا تكمن مفارقة الاستراتيجية.
إيران، وهي تحارب إسرائيل، قد تكون في الواقع تسهم دون قصد في تحقيق أحد أهم أهداف إسرائيل الاستراتيجية طويلة المدى: خلق تصور أمني مشترك مع دول الخليج ضد إيران.
إذ تحاول إسرائيل منذ سنوات تمرير فكرة مفادها: "أنا لست مشكلتكم، بل إيران هي التهديد الحقيقي".
لم يلقَ هذا الخطاب قبولًا واسعًا في العالم العربي بسبب قضية فلسطين وسياسات الاحتلال، لكن الهجمات الإيرانية على دول الخليج توفر، بشكل غير مباشر، مادة قوية لهذا السرد الإسرائيلي. فكل صاروخ يسقط في قطر أو الكويت أو البحرين يعزز فكرة "التهديد المشترك" التي تسعى إسرائيل لترسيخها.
والأهم من ذلك أن هذا يدفع دول الخليج إلى البحث عن مزيد من الضمانات الأمنية، وبما أن البنية الأمنية في المنطقة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، فإن النتيجة الطبيعية لهذا التوجه هي الاقتراب أكثر من واشنطن، وبالتالي من منظومة أمنية تتقاطع في بعض نقاطها مع إسرائيل.
لهذا فإن المأزق الأكبر في استراتيجية إيران تجاه الخليج ليس عسكريًا بل سياسيًا. فطهران لا تزال تقرأ المنطقة من خلال ثنائية مبسطة: "محور أمريكي" و"محور مقاومة". وبناءً على ذلك، فإن كل دولة فيها قواعد أمريكية تُعتبر ضمن المعسكر المقابل، بغض النظر عن نواياها الفعلية.
لكن واقع الشرق الأوسط اليوم أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فليس قطر هي إسرائيل، ولا الكويت هي حكومة نتنياهو، ولا سلطنة عمان شريك استراتيجي لتل أبيب.
هذه الدول تتحرك وفق حساباتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة.
لذلك، فإن استهدافها لا يحقق لا ردعًا لإسرائيل ولا ضررًا فعليًا على الولايات المتحدة، بل على العكس، غالبًا ما يخدم الأهداف السياسية التي تسعى إليها إسرائيل.
وربما يكمن خلف هذا الإصرار الإيراني منطق نفسي وأيديولوجي أكثر من كونه عسكريًا، إذ ترى طهران أنها تعوض عجزها عن ضرب واشنطن أو تل أبيب مباشرة عبر استهداف شبكاتهما الإقليمية.
لكن الفارق بين الإشباع الرمزي والنجاح الاستراتيجي فارق كبير، وغالبًا ما يدفع ثمنه ليس فقط إيران، بل شعوب المنطقة أيضًا.
فالنجاح الاستراتيجي يُقاس بعزل العدو، لكن ما يحدث فعليًا هو العكس: بعض خطوات إيران تدفع دول الخليج إلى الابتعاد أكثر عنها بدلًا من عزل إسرائيل.
وفوق ذلك، فإن إيران تخسر رصيدًا دبلوماسيًا مهمًا كانت قد حققته في السنوات الأخيرة، خاصة مع السعودية، حيث كانت هناك محاولات جدية لخفض التوتر وبناء توازن جديد في المنطقة.
كل تصعيد جديد يعيد إحياء المخاوف الأمنية في الخليج ويقوض هذا المسار.
وفي النهاية، فإن ضرب قطر أو الكويت أو البحرين بدلًا من مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل مباشرة، قد يبدو أسهل، لكنه لا يوجع العدو الحقيقي، بل يزيد من معاناة المسلمين أنفسهم.
وبذلك، تصبح إيران، من حيث لا تريد، جزءًا من إعادة تشكيل معادلة إقليمية تخدم المشروع الإسرائيلي الذي طالما سعى إلى عزل خصومه عن محيطهم العربي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية: أنها أثناء سعيها لمعاقبة إسرائيل، قد تساهم في إنتاج البيئة التي تحتاجها إسرائيل أكثر من غيرها.

