تنعقد اليوم أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حدث يحظى بأهمية كبيرة، لكن ليس بسبب النقاشات حول مستقبل المنظمة بقدر ما يرتبط بأزمة النظام الدولي نفسه. فقد تأسست الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، وصُمّم هيكلها، ولا سيما مجلس الأمن، بما يمنح الدول المنتصرة في الحرب نفوذاً واسعاً في إدارة الأزمات وصياغة قواعد النظام العالمي. غير أن هذا الهيكل ينتمي إلى مرحلة تاريخية مختلفة وقديمة، تشكلت في ظل الحرب الباردة، ولم يعد يعكس طبيعة النظام الدولي وتوازناته الحالية.
ولا يُسمع لها ذكر اليوم، لا في أوكرانيا ولا في غزة ولا في حرب إيران. ونعرف مشكلتها الأساسية: بنية مجلس الأمن القائمة على خمسة أعضاء دائمين، وسلطة حق النقض. وكانت مقولة الرئيس أردوغان: «العالم أكبر من خمسة»، احتجاجاً على هذه الآلية الجائرة. وفي المرحلة الراهنة، بات عدد أكبر من القادة، بمن فيهم رئيس الوزراء الهندي مودي والرئيس الفرنسي ماكرون، يرون ضرورة إصلاح بنية مجلس الأمن.
لكن للعملة وجهاً آخر. فرغم فقدان الأمم المتحدة وظيفتها، تبقى افتتاحات الجمعية العامة منصة يقبل عليها القادة. فمنبر الأمم المتحدة يتيح إعلان الأطروحات الوطنية للعالم أجمع، والتشديد على القضايا الحساسة. كما توفر افتتاحات الجمعية العامة أرضية ملائمة جداً للحركة الدبلوماسية. ويحوّل الرئيس أردوغان، ولا سيما البيت التركي الكائن قبالة مقر الأمم المتحدة مباشرة، إلى مركز تُعقد فيه اللقاءات الدبلوماسية. ونعرف الأولويات الاستراتيجية التي ستتناولها أنقرة في هذه اللقاءات:
ترامب يريد السلام في أكتوبر
أولاً: تحقيق السلام بأسرع ما يمكن في أوكرانيا، وإرساء الأمن في البحر الأسود. عرضت أنقرة على الأطراف صيغة لأمن الملاحة في البحر الأسود تقوم على مسار ذي ممرين، لكن المؤشرات سلبية. وقد ابتعد ترامب عن روسيا بعد قمة الناتو في أنقرة، وهو ما نفهمه أيضاً من العقوبات الأخيرة المعلنة.
لكنه يضغط كذلك على أوكرانيا في سبيل السلام، إذ يريد من كييف أن تقبل الشروط التي طرحتها روسيا على الطاولة في مفاوضات إسطنبول. ويتواصل القتال وهو يتسع. وسمعت أن: «ترامب يضغط من أجل توقيع اتفاق سلام في أوكرانيا خلال أكتوبر/تشرين الأول، لأنه لن يتمكن من إغلاق ملف إيران قبل نوفمبر/تشرين الثاني. وهو بحاجة إلى نجاح. وقد تُطرح قمة ثلاثية الشهر المقبل».
ثانياً: إنهاء الأزمة الإيرانية. لكن الصراع يتسع، والأزمة تنتقل من هرمز إلى باب المندب. وكانت التحذيرات التي وجهتها الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة إلى رعاياها في المنطقة لافتة. وكان الجميع يتوقع هجوماً على إيران، لكن تقريراً لصحيفة «نيويورك تايمز» كشف أن المسألة تتعلق باليمن: كان ترامب يخطط يوم الأحد لهجوم على الحوثيين في اليمن، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
إن انتقال الصراع من هرمز إلى باب المندب، أي تحوله من بُعد أميركي-إيراني إلى بُعد سعودي-إيراني، يريح الولايات المتحدة. ولهذا يبتعد ترامب عنه، وربما أيضاً بهدف إقناع السعودية باتفاقات أبراهام. وفي هذه الأثناء، استهدف الحوثيون للمرة الثانية خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب. ولم تتخذ الرياض بعد أي خطوة لإصلاح الخط. وعلى الأرجح، سيضرب أي تأخير هنا الأسواق الأوروبية أيضاً، إذ لن يكون ممكناً تزويد المصافي الأوروبية بالنفط في أكتوبر/تشرين الأول. وقد يضطر هذا الوضع الدول المعنية إلى التحرك في البحر الأحمر.
أكثر الملفات سخونة: سوريا وإسرائيل
ثالثاً: على طاولة أنقرة عدد كبير من الملفات المفتوحة، مثل معضلة إس-400 وإف-35، والسلام بين أذربيجان وأرمينيا، وقبرص وجزر بحر إيجه، ونقل النموذج الصومالي إلى بعض البلدان الإفريقية الأخرى، وغيرها. لكن الملف الأكثر سخونة هو سوريا، ومعه المسألة الإسرائيلية المرتبطة بها. دخل التوتر التركي الإسرائيلي المتمحور حول سوريا مرحلة جديدة مع هجوم أبو الظهور الذي وقع في 18 أغسطس/آب. وتحاول إسرائيل، وهي مقبلة على الانتخابات، تضخيم «تصوّر التهديد التركي» داخلياً.
ويصعد نتنياهو إلى جبل الشيخ المحتل لإلقاء خطاب «موجّه إلى الأمة». لكن الانتخابات ليست القضية الوحيدة، فقد وصل الأمر أيضاً إلى مجلس الأمن. وقرأنا في جلسة مجلس الأمن المخصصة لسوريا كلمات دانون، ممثل إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، التي استهدفت تركيا ووجودها العسكري في سوريا، كما قرأنا رد ممثل تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلدز عليه.
وقال يلدز إن الوجود التركي في سوريا يأتي بدعوة من إدارة دمشق وفي إطار التعاون بين البلدين. ولم يتمكن دانون من الرد على تذكير الصحفيين بأن الحكومة السورية لا تبدي انزعاجاً من الوجود العسكري التركي، لكنها ترى إسرائيل «محتلة». وتُسجل إسرائيل هدفاً في مرماها بنقلها إلى مجلس الأمن نقاشاً لا حق لها فيه.
هل تتعرض المستودعات لأعمال تخريب؟
نعلم أن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل في الملف السوري. فواشنطن لا تريد أن تتضرر «استثماراتها» في سوريا. ويبدو أن شدة الضغط زادت مع هجوم أبو الظهور. ومنذ ذلك التاريخ، تبدّل الخطاب في إسرائيل؛ فهم لا يستهدفون سوريا والشرع مباشرة، لكنهم لم يتخلوا عن سياساتهم. وبعد أن خسروا ورقة تنظيم واي بي جي (قسد)، حوّلوا تركيزهم إلى السويداء.
وقد تناقلت وسائل إعلام محلية في عطلة نهاية الأسبوع أن أسلحة نُقلت بالمروحيات إلى الجماعات الانفصالية في السويداء. وبالتزامن، لا ينفذون هجمات علنية في الأيام الأخيرة، لكنهم كثفوا عملياتهم السرية في سوريا.
في 9 سبتمبر/أيلول وقع انفجار كبير في مستودع للذخيرة في إدلب. وكان التقدير الأول: «قد يكون الأمر عملاً تخريبياً، لكنه قد يكون أيضاً انفجاراً ناجماً عن الظروف الجوية وظروف التخزين». لكن لاحقاً وقع انفجار في الضمير بريف دمشق، ثم في دير الزور في 18 سبتمبر/أيلول، وصباح أمس في منشأة عسكرية/مستودع ذخيرة في حلب.
والآن، ثمة اعتقاد راسخ بأن هذه الانفجارات أعمال تخريبية. ولا شك في أن إسرائيل هي المنفّذ. وربما تقول تل أبيب لواشنطن: «نحن لا نستهدف استقرار سوريا أو اقتصادها، بل الوجود العسكري القادر على تشكيل تهديد لنا». لكن هل يقتنع الأميركيون بذلك؟ لا أظن.

