أين ستفتح إسرائيل جبهتها الجديدة مع اقتراب إغلاق الملف الإيراني؟

يحيى بستان
يحيى بستانالكاتب في صحيفة يني شفق
10:49, 16/06/2026, الثلاثاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
أين ستفتح إسرائيل جبهتها الجديدة مع اقتراب إغلاق الملف الإيراني؟

"الحرب مجددًا؟" قد تقولون ذلك. وربما ليست حربًا بقدر ما هي صراع على النفوذ. فحتى لو توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق، فإن الملف لم يُغلق بعد. لقد فُتح باب مفاوضات نووية تمتد 60 يومًا، لكن لبنان لا يزال ينزف. وإدارة تل أبيب، التي لم تحقق أهدافها في إيران، قد تتجه إلى افتعال استفزازات، خصوصًا في الملفات التي تمس تركيا، في محاولة لإعادة ترسيخ قوة الردع. وفي المقابل، ينبغي اتخاذ خطوات من شأنها تضييق هامش الحركة أمام إسرائيل. ومن المبكر القول إن كل شيء قد انتهى؛ إذ لا بد من قراءة الفرص والتهديدات بدقة.

نعم، تجاوزنا الصدمة الثانية


في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تشهد تحولات كبرى، كان من الطبيعي أن تتأثر أيضًا عملية "تركيا خالية من الإرهاب". وبالفعل شهدت العملية تباطؤًا. فقد قال أحد قادة التنظيم، مراد قره يلان، مبررًا القرار الذي اتخذوه: "بينما الصواريخ تتطاير في كل مكان، يبقى سلاحنا هو الضمان الوحيد لنا."


وكان الهجوم على إيران ثاني أكبر صدمة تواجه عملية "تركيا خالية من الإرهاب"، بعد ملف اندماج تنظيم قسد/واي بي جي في دمشق. ويمكن القول إن هذه الصدمة الثانية، كما حدث في الملف السوري، تم تجاوزها دون خسائر تُذكر، باستثناء تأخير محدود. ومع ذلك، لا تزال المنطقة تعيش حالة من عدم اليقين، ما يفرض الإسراع في الخطوات المقبلة.


ملاحظة: للانتقال إلى المرحلة التشريعية من العملية، يُنتظر تقرير ميداني من جهاز الاستخبارات التركي. ويتطلب ذلك أن يكون التنظيم قد سلّم سلاحه بدرجة تُعد مرضية، مع تقديم خارطة طريق بشأن ما تبقى من الأسلحة. وقد سمعت الأسبوع الماضي أن التقرير قد يكتمل خلال أسبوعين، ما يعني أنه بات وشيكًا.


الاستخبارات الأمريكية تستعد لخطوة مضادة


لقد عززت الحرب، من جانب، عملية "تركيا خالية من الإرهاب"، وفتحت الباب أمام توسيعها إقليميًا.


وكان من التطورات السلبية نجاح إسرائيل في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطرح فكرة "تسليح الأكراد وتحريضهم على الانتفاض ضد إيران". لكن هذا المخطط لم يحقق أهدافه. فقد تبنى بافل طالباني، على وجه الخصوص، موقفًا هادئًا ومتزنًا، واتخذ موقفه بالتنسيق مع أنقرة. ويُعد تعيين محافظ تركماني لكركوك أول نتيجة إيجابية للحرب.


أما إدارة بارزاني، فقد أظهرت أداءً ضعيفًا في هذه المرحلة التي بدأت مع ملف تنظيم قسد/واي بي جي.


ملاحظة: يزعم الإسرائيليون أن مشروع "الانتفاضة" فشل بسبب نجاح الرئيس رجب طيب أردوغان في إقناع ترامب بالتراجع عنه، غير أن هذه الرواية تبدو محاولة للتنصل من المسؤولية. ففي المقابل، تستعد أجهزة الاستخبارات الأمريكية لتحميل بنيامين نتنياهو مسؤولية الإخفاق في إيران.


ووفقًا لما أورده صحفيا نيويورك تايمز، ماغي هابرمان وجوناثان سوان، فقد حصلا على تسجيلات لاجتماعات سرية عقدها ترامب مع فريقه في "غرفة العمليات"، وستُنشر في كتاب يحمل عنوان "تغيير النظام". ويقال إن التسجيلات تتضمن نقاشات حول "المجموعات الكردية"، حيث عبّر نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وقادة عسكريون أمريكيون، عن رفضهم للخطة، معتبرين أنها "غير واقعية وأن إسرائيل تبالغ في تقديراتها".


يجب أن تعود غزة إلى صدارة المشهد


إسرائيل أشعلت هذه الحرب بهدف القضاء على أي احتمال لقيام دولة فلسطينية. وكان إنشاء مجلس السلام الخاص بغزة تطورًا مهمًا، لكن مع اندلاع الحرب تحول الاهتمام إلى إيران، فيما استغلت إسرائيل الفرصة لتوسيع احتلالها في الضفة الغربية.


كما ستسعى إسرائيل إلى الحفاظ على وجودها العسكري في لبنان، ومواصلة الضغط على سوريا، وإضعاف أي مسار للسلام مع إيران، ومنع عودة الاهتمام الدولي إلى غزة.


ومع انحسار الملف الإيراني، ينبغي أن يكون أول ما تقوم به دول المنطقة هو إعادة التركيز على قضية غزة.


لبنان يحتاج إلى مبادرة جديدة


الخطوة التالية يجب أن تكون في لبنان، عبر دعم المفاوضات الجارية بين حزب الله والحكومة اللبنانية بشأن تسليم السلاح.


كما أن ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) توشك على الانتهاء. وكانت أنقرة تجري اتصالات بشأن تشكيل وجود عسكري دولي جديد يركز على أمن لبنان، لكن الدول الأوروبية لا تبدي حماسًا لهذا المقترح.


فهل يمكن لآلية التنسيق الإقليمي، التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان وقطر، أن تتحمل مسؤولية في هذا الملف؟ يؤكد الكاتب أن لبنان لا ينبغي أن يُترك لمصير تحدده إسرائيل وحدها، وأن المرحلة تتطلب مبادرات مبتكرة.


ملاحظة: ترغب الولايات المتحدة في أن تضطلع الإدارة السورية الجديدة بدور في لبنان. وهناك أطراف داخل دمشق تؤيد هذا التوجه، حتى إن إرسال عناصر من لواء القامشلي – التابع سابقًا لتنظيم قسد/واي بي جي – إلى دمشق للتدريب، ربطته بعض حسابات التواصل الاجتماعي بهذه الفكرة. لكن الرئيس أحمد الشرع يرفض هذا الطرح بوضوح، ويؤكد أن الأولوية يجب أن تبقى لاستقرار سوريا الداخلي.


إسرائيل ستزداد اندفاعًا


أدت الحرب إلى أزمة ثقة عميقة بين إيران ودول الخليج، ويجب العمل على ترميم هذه العلاقة.


إن استمرار إيران في سياساتها السابقة، انطلاقًا من شعورها بأنها صمدت أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، سيمنح إسرائيل فرصًا جديدة لاستثمار التوترات.


وفي المقابل، أدت الحرب إلى تقويض احتمالات أي تقارب بين دول الخليج وإسرائيل، وأصبحت هذه الدول أكثر ميلًا إلى التشاور مع تركيا، فيما تعززت آليات التنسيق الإقليمي، لكن الانقسامات داخل الخليج اتسعت أيضًا، ولا سيما بين السعودية والإمارات.


أما مشروع خط السكك الحديدية بين السعودية وتركيا، الذي يسمح مستقبلًا بتجاوز مضيق هرمز، يُعد ثاني ثمرة ملموسة للحرب على إيران. وقد تناولته وسائل الإعلام الإسرائيلية باعتباره مشروعًا يستبعد إسرائيل من المشاريع الإقليمية، وهذا التوصيف ليس بعيدًا عن الواقع.


وأرى ظهور مشاريع مماثلة في قطاع الطاقة، مثل نقل موارد العراق وسوريا ودول الخليج إلى الأسواق العالمية عبر تركيا. فهذه المشاريع ممكنة وملحة في الوقت نفسه.


وتراقب إسرائيل كل هذه التطورات عن كثب، وتشعر بأنها تُستبعد من إعادة تشكيل المنطقة، ولذلك ستواصل التشدد في لبنان، والاستمرار في تهديد سوريا، وقد تسعى أيضًا إلى إشعال أزمات جديدة.

أولى هذه الساحات ستكون القرن الإفريقي، فزيارة رئيس إقليم أرض الصومال محمد عبد اللهي لإسرائيل في هذا التوقيت لافتة للنظر، بل أنها "مدعاة للخزي". كما أن محاولة التمرد التي شهدتها الصومال مؤخرًا ليست منفصلة عن هذه التطورات.


أما الساحة الثانية التي قد تشهد تصعيدًا، فهي شرق البحر المتوسط، حيث أن قبرص اليونانية واليونان قد انضمتا بالفعل إلى سياسات بنيامين نتنياهو في المنطقة.