تمركزت حركة فتح وغيرها من الفصائل الفلسطينية في الأردن منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وكانت تنفذ من هناك عمليات «فدائية» ضد إسرائيل. ويمكن تصور الأمر على غرار «عملية طوفان الأقصى» التي أطلقتها حماس في 7 أكتوبر 2023. كان الملك حسين منزعجاً من استخدام بلاده كقاعدة عسكرية، لكنه لم يكن قادراً على اتخاذ إجراء مباشر، لأن الفلسطينيين كانوا يشكلون أكثر من نصف السكان الذين يحكمهم. وعندما ازدادت قوة الجماعات الفلسطينية إلى حد بعيد، وتحولت إلى دولة داخل الدولة، وبدأت الشائعات تتحدث عن عزمها إطاحة حسين، أظهرت المملكة الأردنية رد فعلها التقليدي: ففي سبتمبر 1970، اندلعت الحرب ضد الفلسطينيين في البلاد، وجرى ضمان عرش الملك حسين، ولو على حساب مقتل آلاف الأشخاص خلال الأشهر العشرة التالية. وخلال هذه الحرب الأهلية التي دخلت التاريخ الحديث باسم «أحداث أيلول الأسود»، اضطر الجيش الأردني إلى طلب المساعدة من باكستان. وكان قائد الوحدة العسكرية التي أُرسلت من إسلام آباد هو العميد ضياء الحق، الذي سيصل بعد فترة وجيزة إلى رئاسة بلاده.


قبل سنوات، وبينما كنت أجري قراءاتي الأولى عن أحداث أيلول الأسود، صادفت تفصيلاً مثيراً للاهتمام:


في 28 أكتوبر 1970، عيّن الملك حسين وصفي التل، نجل الشاعر الشهير مصطفى وهبي التل، رئيساً للوزراء من أجل تنسيق الحرب ضد الجماعات الفلسطينية. وكان وصفي التل، الذي تولى رئاسة الوزراء مرتين خلال عامي 1962-1963 و1965-1967، يجلس على الكرسي نفسه للمرة الثالثة. وعندما تعمقت في سيرته، اكتشفت التفصيل المثير للاهتمام الذي ذكرته؛ فقد وُلد رئيس الوزراء الأردني التل في قضاء عربكير التابع لملاطية. نعم، ملاطية التي نعرفها، وعربكير التي نعرفها. كان والده مصطفى وهبي قد وصل إلى عربكير مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، وتزوج هناك سيدة تدعى منيفة بابان، ورُزق منها بوصفي عام 1919.


وهناك نقطة أخرى مثيرة للاهتمام في هذا الجزء من القصة. فالسيدة منيفة تنتمي إلى عائلة بابان، وهي إحدى عائلات الأعيان الكردية الشهيرة في منطقة السليمانية بالعراق. نعم، أحمد نعيم بابان زاده، الصديق المقرب لمحمد عاكف، والوزير السابق مصطفى جهاد بابان، ينتميان جميعاً إلى السلالة نفسها. ولعل باحثاً ذا همة يتمكن من اكتشاف الروابط المفاجئة بين هذه الأسماء كلها وإظهارها.


عندما تُذكر عربكير، يتبادر إلى ذهني أساساً الأخ الراحل فتحي جموهلو أوغلو. حتى إنني ذهبت قبل بضعة أشهر إلى عربكير نفسها، واستنشقت هواء تلك «البلدة الجبلية» التي وصفها بقوله: «تقع في قلب الأناضول، وهي موطن الأحرار». أما ما أعاد عربكير إلى ذهني الآن فهو الكتاب الجميل الذي أصدرته رئاسة شؤون الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات القربى، ويضم مقالات في السياسة الخارجية نشرها الأخ فتحي بين عامي 1956 و1959 في صحيفة محلية تحمل اسم «بريد عربكير». والحقيقة أنني لم أكن قد قرأت من قبل هذه المقالات التي تُظهر سعة اهتمام الأخ فتحي ورحابة أفقه تجاه العالم الإسلامي، من تونس إلى كشمير، ومن غانا إلى قبرص، ومن الجزائر إلى الهند.


ولأن هذه المقالات كُتبت في فترة كانت فيها دول إسلامية مختلفة تخوض نضالها من أجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار، يمكن بوضوح قراءة حماسة تلك الأيام بين سطورها. انظروا مثلاً إلى هذه العبارات التي كُتبت في أشد مراحل حرب الاستقلال ضد الفرنسيين في الجزائر اشتعالاً:


«جاؤوا، فسحقوا وطحنوا واستغلوا ونهبوا كل شيء، حتى الموتى. ثم جاء يوم بلغت فيه السكين العظم، فإذا بشعلة تتقد في الأعماق، وبنور يضيء العيون، وكلمة سحرية تضيء القلوب. لقد بدأت في الجزائر حرب حياة أو موت، وجهاد أكبر. تذكروا الحجر في مواجهة الطائرة، والقبضة في مواجهة الرصاصة. لن يخجل المستعمرون يوماً من هذا التفاوت الهائل».


أما أكثر ما أثار دهشتي في الكتاب فهو كيف استطاع الأخ فتحي، في ظل ظروف الاتصال السائدة آنذاك، معرفة ما يجري في كل تلك الأنحاء المتباعدة من العالم. لم يكن هناك إنترنت، ولا اتصالات منتظمة، بل كانت المنشورات نفسها لا تصل إلى مناطق أخرى إلا بعد أسابيع، وربما أشهر... وقد شعرت بالدهشة نفسها عندما قرأت كتابات الأخ جاهد ظريف أوغلو. لكن يبدو أن قلوبهم وعقولهم كانت مضبوطة، مثل ساعة دقيقة، على توقيت العالم الإسلامي. وفي ظل كل ما نملكه اليوم من وسائل الاتصال والإمكانات العلمية، كم كان نصيبنا من علمهم وحماستهم وإخلاصهم وحميّتهم؟ هذا هو السؤال الأساسي بالنسبة إلينا.


وبهذه المناسبة، أسأل الله الرحمة مرة أخرى للأخ فتحي جموهلو أوغلو. لم يُقدّر لنا أن نلتقي في هذه الدنيا، عسى أن يُكتب لنا اللقاء والحديث في الجنة...