كان ذلك قبل نحو 10 سنوات. وبينما كنت أراجع مجلد «الكتب» على حاسوبي، أحصيت نحو 80 عنواناً. كنت قد نشرت بعضاً منها، لكن الغالبية الساحقة كانت لا تزال تنتظر الكتابة والنشر. وكان من بين العناوين المؤجلة مشروع في السيرة النبوية أيضاً.
ومع مرور الوقت، جاءت أقلام أمهر مني بكثير، وملأت تلك الفراغات بنصوص أفضل بكثير مما كان يمكنني أن أكتبه. وكلما صدر أحد تلك الكتب، كنت أضع بكل سعادة علامة «زائد» إلى جانب الملف المعني في حاسوبي. فكل كتاب كنت أخطط لكتابته ثم يتولى شخص آخر تأليفه ونشره، كان يعفيني من مهمة ويمنحني مزيداً من الوقت للتركيز على مشروعاتي الخاصة. فالعمر محدود والوقت ضيق، كما هو معلوم، وليس لدينا ما نهدره في أعمال يكرر بعضها بعضاً.
عندما وصلني أحدث كتب الأستاذة زاهدة طوبا كور، بعنوان «كسر المسلّمات في الشرق الأوسط: كيف ينبغي إجراء التحليل الإقليمي؟» (دار كُرة للنشر، إسطنبول، 2026)، راودتني الفكرة نفسها مجدداً. فقد أصبح بين أيدينا كتاب منهجي متكامل وخريطة طريق تنير الدرب لكل من يرغب في دراسة الشرق الأوسط، ولم تعد هناك حاجة إلى كتابة نص جديد في هذا الموضوع.
وقد سدّت زاهدة طوبا كور فراغاً كبيراً في مجال دراسات الشرق الأوسط في تركيا، وخرّجت مئات الطلاب من خلال الندوات ومجموعات القراءة، كما ألّفت كتباً راسخة تجمع بين الدقة الأكاديمية ومراعاة القارئ العام.
قسّمت المؤلفة كتابها، الذي يقع في 358 صفحة، إلى قسمين. يحمل القسم الأول عنوان «المشكلات الأساسية في مقاربتنا للشرق الأوسط»، فيما خُصص القسم الثاني لدراسات حالة تناولت «انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان» و«عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر وحرب غزة/الإبادة الجماعية». ومن خلال مئات الأمثلة، يجمع الكتاب بين النظرية والتطبيق، ويوجه القارئ نحو البحث عن إجابة لسؤال: «ما الطريقة الأدق لفهم الأحداث؟». كما أن الأمثلة الواردة فيه واقعية وشائعة، ما يجعل النص أكثر سهولة ووضوحاً.
ويُعد كتاب «كسر المسلّمات في الشرق الأوسط: كيف ينبغي إجراء التحليل الإقليمي؟» من الكتب التي ينبغي لكل من يعمل في مجال الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أن يقرأها بعناية، واضعاً خطوطاً تحت عباراتها ومدوناً ملاحظاته. وتحظى مشكلات المقاربة والعقلية التي يناقشها القسم الأول بأهمية خاصة. وسأذكر بعضها، إن لم يكن جميعها:
النظر إلى القضايا من زاوية محلية ومتمحورة حول تركيا أكثر من اللازم، بما يؤدي إلى إغفال السياق العام.
قراءة القضايا من المنظور الغربي وحده، والاغتراب بذلك عن الرموز التاريخية والإقليمية الخاصة بنا.
تقييم الأحداث انطلاقاً من اللحظة الراهنة فقط، مع إغفال الخلفيات والذاكرة التاريخية.
النظر إلى التطورات بوصفها صورة ثابتة، بدلاً من قراءتها كشريط متحرك في إطار تحليل المسارات.
العجز عن التحرر من النظارات الأيديولوجية والهواجس، سعياً إلى ترسيخ الموقف المسبق.
عدم مراعاة النسبية واختلاف زوايا النظر عند تحليل الظواهر الاجتماعية.
قراءة المعلومات النظرية والتاريخية من بُعد واحد، من دون دعمها بالبيانات الجغرافية والأرقام.
الاكتفاء بالدراسة المكتبية للمراجع، من دون النزول إلى الميدان واكتساب الخبرة العملية.
الوقوع في سهولة اختلاق الأسباب انطلاقاً من النتائج.
أعتقد أن هذه الأمثلة كافية لتقديم فكرة عن منظور الكتاب ومقاربته ومحتواه. وكما قلت، ينبغي للمهتمين بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي أن يحوّلوا كتاب زاهدة طوبا كور إلى دليل دائم، وأن يتعلموا النظر إلى الأحداث برؤية حرة وأصيلة، بعد تحرير أذهانهم من المسلّمات المسبقة.
ولا بد لي من التأكيد أيضاً على نقطة أخرى:
تقدم الأستاذة زاهدة طوبا كور، بفضل اجتهادها الذي يشهد به كل من يعرفها وأعمالها المتواصلة منذ سنوات، نموذجاً جديراً بالاقتداء في نقل القضايا الراهنة للشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى الجمهور العام. وأنا على يقين بأن لدينا كثيراً من الشباب الذين يتخذونها قدوة ويسيرون على الطريق نفسه. فلتُبارك جهودها بما ستلهمه من أعمال راسخة عديدة.

