بعد 7 أكتوبر 2023، أصبح دعم بريطانيا وألمانيا لإسرائيل أكثر وضوحاً. ومن المفيد التذكير بأن كلمة «دعم» لا تكفي لوصف طبيعة العلاقة التي تربط هذين البلدين بإسرائيل؛ فألمانيا، بمشاركتها الفعلية في استعمار الضفة الغربية، أصبحت جزءاً من العدوان التوسعي على الأراضي الفلسطينية. وبعد 7 أكتوبر مباشرة، توجّه مسؤولون ألمان إلى إسرائيل، مؤكدين أنهم جزء من الهجوم غير المسبوق على غزة. أما بريطانيا، فأصبحت من خلال مشاركتها متعددة الجوانب انطلاقاً من قاعدتها في جنوب قبرص، جزءاً من العدوان التاريخي على القطاع.
وبطبيعة الحال، ينبغي تناول العمليات التي نفذتها بريطانيا بالتعاون مع الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بصورة مستقلة. ولذلك لا بد من النظر إلى علاقة هذين البلدين بإسرائيل على أنها ترقى إلى مستوى «الشراكة». ومع ذلك، ورغم مشاركتهما العلنية، ما زالت علاقتهما بإسرائيل تُوصف بمفاهيم أخرى. والحقيقة أن إسرائيل بُنيت، منذ عام 1920، بوصفها كياناً استعمارياً استيطانياً في ظل الانتداب البريطاني، فيما قدمت ألمانيا العون للمستعمرة الإسرائيلية في مختلف مراحلها.
ولا تعد مشاركة بريطانيا وألمانيا إلى جانب إسرائيل مسألة عادية. ففي بريطانيا تحديداً، قامت العلاقة مع إسرائيل، على مستوى الدولة والحكومة والنخب، دائماً على تجاهل الفلسطينيين. أما الرأي العام البريطاني، فلا يمكن القول إنه يتبنى الموقف نفسه بالدرجة ذاتها. فمنذ 7 أكتوبر 2023، بدأ تحول مناهض لإسرائيل يظهر داخل المجتمع البريطاني، رغم الجهود المكثفة التي يبذلها الإعلام لإخفاء جرائمها.
وعلى الرغم من هذا التحول، فإن شخصيات بلغت أعلى مراتب السلطة، مثل ديفيد كاميرون، كانت مستعدة للمخاطرة حتى بتقويض النظام الدولي من أجل حماية إسرائيل وقادتها الصهاينة. وبالنسبة إلى النخب البريطانية، فإن ابتعاد شرائح اجتماعية مختلفة في بريطانيا والولايات المتحدة جماعياً عن إسرائيل يمثل مسألة بالغة الأهمية. ومن هذا المنطلق، يمكن توقع تدخلها لوقف هذا التحول في الرأي العام وعكس اتجاهه. وقد تلجأ، على سبيل المثال، إلى إحياء الصور النمطية التاريخية المرتبطة بالأتراك داخل المجتمع البريطاني.
ولا ينبغي الاستهانة بالمخزون الاستشراقي؛ فإسرائيل ستستغل حتماً أي فرصة لتحريكه. وإن لم تجد فرصة مناسبة، أو إذا سارت التطورات في الاتجاه المعاكس، فلن يتردد المعنيون في البحث عن وسائل أخرى.
ويمكن ربط قصف إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري، الواقع في ريف إدلب على مسافة قريبة جداً من الحدود التركية، بالتحولات التي يشهدها الرأي العام في بريطانيا وألمانيا. وقد أشرت في المقال السابق إلى أن إسرائيل تجر الفلسطينيين والدول المحيطة بها إلى الحروب في أوقات لا تكون فيها مستعدة لها. وكان سر «قصة نجاح» إسرائيل يكمن، في الحقيقة، في هذا النهج العدواني.
ومارست إسرائيل ضغطاً مماثلاً على سوريا، وسعت إلى دفع الشرع نحو الحرب. لكنها هذه المرة لم تحصل على ما أرادته، بل وجدت أمامها اتفاقية مكة للدفاع، وسط حديث عن احتمال انضمام سوريا إليها. كما لم تحقق إسرائيل والولايات المتحدة أهدافهما من الهجمات على إيران. وبعد تلك الهجمات، تراجع التأييد لإسرائيل والصهيونية بصورة أكبر في الشارعين البريطاني والأميركي.
ويُعد تلاشي التأييد الشعبي لإسرائيل في العالم الأنغلوساكسوني والأوساط الجرمانية تطوراً بالغ الأهمية، وستكون له انعكاساته أيضاً على المثقفين والأوساط الأكاديمية. ويمكن توقع أن تسعى الجهات المعنية إلى وقف هذا التطور الذي يشكل تهديداً وجودياً لها، وقد تلجأ من أجل ذلك إلى إعادة إحياء العداء للأتراك.
ولعل وصف الأحداث التي وقعت بعد 7 أكتوبر 2023 بأنها مجرد «تغيير» لم يعد كافياً. بل ربما يتعين على الدراسات التي ستُجرى مستقبلاً أن تعيد بداية هذه التحولات العميقة إلى مرحلة أسبق. وهذه مسألة قابلة للنقاش، لكن ينبغي أيضاً إدراك أن التحولات الصادمة التي أعقبت 7 أكتوبر ستجلب معها تدخلات شديدة التدمير. فالعتبة الحرجة قد جرى تجاوزها بالفعل، ولهذا يجب ألا نحصر تركيزنا في العلاقات الأميركية الإسرائيلية وحدها.
لقد تسبب اختزال فهم إسرائيل في اليهود، وتفسير علاقة الدول الأوروبية بها على أنها مجرد خضوع لقوة اليهود، في أخطاء جسيمة خلال الماضي. ولأن الأخطاء نفسها تتكرر اليوم، فإن علاقة دول مثل بريطانيا وألمانيا بالعدوان التوسعي الراهن لا تُطرح على جدول النقاش بالقدر الذي تستحقه.
ومن الآن فصاعداً، سيكون من الضروري متابعة هذين البلدين بمزيد من الدقة. بل يمكننا أيضاً الاعتقاد بأنهما شجّعا إسرائيل على مهاجمة سوريا.

