نحو الذكرى المئوية للعلاقات التركية الأميركية

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
08:06, 23/09/2026, الأربعاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
نحو الذكرى المئوية للعلاقات التركية الأميركية

نقترب من الذكرى المئوية ليوم 17 فبراير/شباط 1927، الذي بدأت فيه العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين جمهورية تركيا والولايات المتحدة. وفي الندوة التي نظمتها رئاسة الاتصال على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قيّمنا علاقة التحالف بين البلدين من زوايا مختلفة. وكان الموضوع الذي برز بالنسبة إليّ في المؤتمر هو أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة أظهرت إرادتها وقدرتها على تجاوز كثير من التحديات والصعوبات وفقاً للمصالح المشتركة. إن عدم تصديق مجلس الشيوخ الأميركي على معاهدة الصداقة والتجارة، الموقعة في بداية العهد الجمهوري وفي إطار معاهدة لوزان، جعل من الضروري إقامة العلاقات الدبلوماسية عبر مذكرات دبلوماسية متبادلة. وهذا يشير في الواقع إلى أن هناك، منذ البداية، أساساً بنيوياً لاختلاف السياسات المتعلقة بتركيا بين الكونغرس الأميركي والإدارات الأميركية.


تحمّل المسؤولية الإقليمية


حملت كلمة رئيس الاتصال برهان الدين دوران في افتتاح الندوة، ثم كلمة وزير الخارجية هاكان فيدان، اللتان لفتتا إلى الأهمية الحاسمة للعلاقات التركية الأميركية، رسائل تدرك أن سياسات البلدين في الأزمات العالمية والإقليمية تؤثر حتماً وبصورة حيوية في بعضها بعضاً. وقد لفتت إعادة فيدان التشديد على مفهوم تحمّل المسؤولية الإقليمية، الذي سبق أن طرحه، الانتباه؛ إذ ما زالت النقاشات البارزة في سياق اتفاق مكة تُفهم ضمن هذا الإطار. كما أن شروع تركيا في الخطوات الأولى لجهدها من أجل تشكيل تحالف أمني مع السعودية وباكستان يلفت انتباه واشنطن.


وتنظر إدارة ترامب وكثير من الخبراء إلى مثل هذه التشكيلات بوصفها جهوداً إيجابية تتيح للولايات المتحدة تحمّل كلفة أقل في المنطقة، لكن ثمة، بطبيعة الحال، من يتعامل معها بشك. وهناك من يرى أن تحالفاً من هذا النوع هو تشكيل مناهض لإسرائيل أو لإيران، وأنه لم ينجح حتى في اجتياز اختباره الأول لأنه لا يستطيع حل قضايا مثل اليمن. وكان رد فيدان على سؤال مدير الجلسة كيليتش قانات حول هذه المسألة أن اتفاق مكة لا يزال مجرد خطوة أولى، وأن تحوّل مثل هذه التشكيلات إلى تحالفات فاعلة يستغرق وقتاً طويلاً. وينبغي ألا ننسى أن الدول الأطراف في اتفاق مكة لم تبدأ إلا للتو حواراً وتعاوناً أمنيين في ما بينها.


وفي الواقع، يشكل الصبر الاستراتيجي الذي أبدته تركيا حيال سوريا مثالاً مهماً في هذا الصدد. ففي الحرب الأهلية السورية، التي كانت فيها روسيا وإيران والولايات المتحدة أطرافاً بطرق مختلفة وبأجندات مختلفة، كان أهم سبب لنجاح السياسة التركية في نهاية المطاف هو النظر إلى القضية من منظور الاستقرار الإقليمي. كما أن اتفاق مكة لا يشير إلى تحالف أُسس للصدام مع أي دولة، بل إلى عملية تتيح لدول المنطقة أن تثق في بعضها بعضاً من منظور يسهم في الاستقرار والسلام. ويحتاج نجاح هذه العملية وانضمام دول مختلفة أخرى إليها إلى وقت. ومن منظور الولايات المتحدة أيضاً، ستكون معايير مثل أن تسفر هذه المبادرات عن نتائج ملموسة وألا تتعارض مع المصالح الأميركية مهمة.


الصراع والتعاون في العلاقات الثنائية


يُظهر تاريخ المئة عام الماضية للعلاقات الثنائية أن هذين البلدين، اللذين لا توجد بينهما حدود مشتركة، تمكنا من إقامة علاقات براغماتية قائمة على مصالح مشتركة رغم الأزمات والتحديات المختلفة. وعلى الرغم من وجود علاقات دبلوماسية وثقافية وتجارية في السنوات العشرين الأولى، فإن الشراكة الاستراتيجية لم تولد إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان مبدأ ترومان يهدف إلى ضم تركيا واليونان إلى المعسكر الغربي، كما كان إيذاناً بالطريق الذي قاد إلى الحرب الكورية وعضوية الناتو.


وكانت رسالة جونسون في سياق قضية قبرص واحدة من الأزمات الحاسمة التي اختبرت العلاقة. كما أن الحظر بين عامي 1975 و1978 ألحق ضرراً جسيماً بالعلاقات. وعلى الرغم من أن تركيا حاولت التحرك مع الولايات المتحدة في حرب العراق عام 1991، فإن قرار البرلمان بشأن العراق في 1 مارس/آذار 2003 بدأ مرحلة صعبة جديدة في العلاقات. وكانت أزمات مثل الربيع العربي، وسوريا، وتنظيم واي بي جي (قسد)، وتنظيم غولن الإرهابي، ومنظومة إس-400، ومقاتلات إف-35، التي طبعت عقد 2010، تبرز بوصفها انعكاسات للتوازنات الإقليمية المتغيرة وصراعات القوى العالمية في العلاقات التركية الأميركية.


ويبدو أن سير إرادة التعاون والتنسيق جنباً إلى جنب مع نقاط الأزمات هذه، التي أتيحت لنا فرصة مناقشتها على نحو أوسع في الندوة، كوّن دينامية حالت دون انقطاع العلاقات التركية الأميركية بالكامل. وتواصل الثقافتان الاستراتيجيتان لواشنطن وأنقرة إظهار النضج في إدارة الأزمات واغتنام الفرص أيضاً. كما أن الفهم الجيد لهذا التاريخ الممتد لمئة عام سيساعد على صياغة العلاقات الثنائية بصورة أفضل في السنوات المقبلة. إن تحويل إرادة تركيا الرامية إلى زيادة التعاون مع الولايات المتحدة، من منظور تحمّل المسؤولية الإقليمية، إلى خطوات عملية في الوقت نفسه، ينسجم مع مصالح البلدين.


يُشدّد دائماً على الأهمية الجغرافية والاستراتيجية لتركيا، غير أن القصة التي ينبغي التركيز عليها حقاً هي أن القدرة السياسية والاقتصادية والعسكرية للبلاد خلال العشرين عاماً الماضية جعلتها فاعلاً يغيّر قواعد اللعبة. وربما تشكل الرؤية الاستراتيجية للرئيس أردوغان ومسار الاستقرار في سياسته الخارجية أهم عناصر هذه القصة، إذ إن القدرة الكامنة لا تكتسب معنى في حد ذاتها من دون محفّز. ولا يمكن، بالطبع، أن ينتهي تماماً المنظور المتشكك لدى الجانب الأميركي تجاه تركيا، لكن الغالبية العظمى تقر بأن قدرتها الوطنية أتاحت لها أن ترسم قواعد اللعبة على مستوى مختلف تماماً. وهذا أمر حيوي لوضع العلاقات التركية الأميركية على أرضية بعيدة عن الإملاءات الأيديولوجية، وقائمة على الاحترام المتبادل والتعاون القائم على المصالح.