اتفاقية مكة.. نحو بناء المنطقة الجديدة

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
09:57, 12/08/2026, الأربعاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
اتفاقية مكة.. نحو بناء المنطقة الجديدة

تبرز اتفاقية مكة الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان بوصفها خطوة حاسمة نحو تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، الذي يتنقل منذ سنوات طويلة من أزمة إلى أخرى. ويمكن النظر إلى الاتفاقية، باعتبارها أحد أبرز التجسيدات الملموسة لأطروحة تركيا القائلة إن دول المنطقة هي التي يجب أن تحدد مصيرها المشترك، على أنها الخطوة الأولى نحو إنشاء منظومة أمنية جديدة ومستدامة في المنطقة. فقد واجهت منطقة «الشرق الأوسط الكبير»، التي شهدت خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة محطات تاريخية فاصلة، مثل هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، واحتلال أفغانستان والعراق، والربيع العربي، والإبادة الجماعية في غزة، صعوبة في التكيف مع الدور الأميركي المتغير خلال هذه المرحلة.


وقد أدى اضطلاع واشنطن، من وقت إلى آخر، بأدوار مختلفة، مثل الطرف الذي يفرض النظام، ووسيط السلام، والضامن الأمني، والمحتل، ومصدر زعزعة الاستقرار، والداعم لإسرائيل، إلى خلق واقع جيوسياسي اضطر الفاعلون الإقليميون إلى بذل جهود متواصلة للتكيف معه. أما خطوة «اتفاقية مكة»، التي جاءت في إحدى أكثر الفترات التي شهدت فيها منطقة الشرق الأوسط زعزعة للاستقرار وانزلاقاً نحو الحرب، فتعني أن الأطراف الراغبة في إنهاء حالة عدم الاستقرار المستمرة، التي خلّفتها مراحل الصراع، تحركت أخيراً لتحديد مصير المنطقة. ومن الواضح أن تحوّل هذا التحالف إلى الوجهة الأولى لحل مشكلات المنطقة سيستغرق سنوات طويلة، لكن اتخاذ ثلاث دول محورية خطوة أولى من هذا النوع يمثل منعطفاً تاريخياً.


التزام أمني على غرار الناتو


أبرز بنود اتفاقية مكة وأكثرها إثارة للنقاش هو اعتبار أي هجوم تتعرض له إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول الأخرى أيضاً. وقد أثار هذا البند، الذي قال وزير الخارجية هاكان فيدان إنه يماثل من الناحية التقنية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو»، صدى واسعاً بطبيعة الحال، وأثار تكهنات بشأن الحالات التي سيُفعّل فيها وكيفية تطبيقه.


ومن الطبيعي أن يحظى هذا البند بالاهتمام، باعتباره أبعد التزام أمني يمكن أن تقدمه الأطراف بعضها لبعض، لكن يجب ألا ننسى أنه يمثل الخطوة الأولى نحو إنشاء منظومة دفاع مشترك. ويكتسب إضفاء الطابع المؤسسي على الاتفاقية أهمية حاسمة، من خلال تمهيدها لإنشاء أمانة عامة، وتأسيس آليات منتظمة للأمن والاستخبارات، والارتقاء بالتعاون الدفاعي إلى أعلى مستوى.


وحتى في تاريخ حلف الناتو، لم تُفعّل المادة الخامسة إلا في حالات نادرة جداً، لكن القضية الأساسية تمثلت في رفع قدرات الدفاع والردع المشتركة للدول الأعضاء إلى أعلى مستوى. وقد أسهم تطوير تعاون منتظم على مدى سنوات، في مجالات عديدة تمتد من المناورات المشتركة إلى تطوير الأنظمة العسكرية المتقدمة، في خلق ديناميكيات قوية دعمت أيضاً تطور العلاقات السياسية والاقتصادية.


كما رأينا حلفاء الناتو يقدمون نماذج لتعاون واسع النطاق في بيئات مختلفة من الحروب والصراعات، حتى من دون تفعيل المادة الخامسة. ويبرز أحدث مثال على ذلك في مساهمات دول الناتو في الحرب الدائرة في أوكرانيا. وبالمثل، إذا نجحت تركيا والسعودية وباكستان في إنشاء آليات تعمل بفاعلية في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، فستؤدي هذه الدول دور الضامن للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.


حلول إقليمية للمشكلات الإقليمية


كما ظهر مؤخراً في حربي سوريا وإيران، تسهم صراعات القوى العالمية والنزاعات الإقليمية المعلنة وغير المعلنة في بقاء الشرق الأوسط غارقاً في شبكة معقدة من المشكلات. ولا تبدو الدول الإقليمية الأكثر تأثراً بالحرب المستمرة بين أميركا وإسرائيل وإيران مالكةً للقدرات والبنية التحتية اللازمتين لتغيير ديناميكيات الصراع.


وفي بيئة الصراع التي تسهم أيضاً في زعزعة استقرار دول مثل لبنان وسوريا والأردن وقطر واليمن، تبدو إمكانات التعاون الإقليمي محدودة للغاية، لأن خيارات واشنطن، المتمسكة بالحفاظ على الوضع المميز لإسرائيل، تظل العامل الحاسم. ورغم أن أميركا قوة عالمية من خارج المنطقة، فإنها تمتلك، للمفارقة، قدرات إقليمية تجعلها في مصاف أكثر دول المنطقة أهمية، وهو ما يؤثر بعمق في سياسات الأطراف الأخرى.


وهناك بالطبع أسباب عديدة تحول دون إيجاد حلول إقليمية لمشكلات المنطقة، من بينها السياسات الأميركية وعجز إسرائيل عن التحول إلى دولة طبيعية في المنطقة، لكن افتقار الفاعلين الإقليميين إلى قدرات دفاعية مشتركة يبرز بوصفه عائقاً مهماً. وكما ظهر خلال السنوات القليلة الماضية، فإن تهديد إسرائيل جميع الأطراف الإقليمية علناً وتنفيذها هجمات عسكرية في سبع دول على الأقل يمثلان حالة شاذة تماماً.


وفوق ذلك، تعجز قوة عظمى مثل أميركا عن كبح حليفتها إسرائيل، بل تدخل في حرب مع إيران من أجل المصالح الإقليمية لتلك الحليفة. وعندما تُضاف إلى ذلك سياسات إيران التي أخفقت في إنهاء بيئة الصراع، يتضح أن دول المنطقة تُترك وحيدة وتُجبر على التوجه إما نحو الجانب الإسرائيلي أو الجانب الإيراني. كما أن الصراع بين هاتين الدولتين، الذي يتجلى بأشكال مختلفة ويجر المنطقة إلى الحرب، لا يثير خطر المواجهة التقليدية فحسب، بل يطرح أيضاً خطر الحرب النووية.


وبالنظر إلى هذه الديناميكيات، يبرز تعزيز المبادرات الإقليمية، كما تدعو تركيا منذ وقت طويل، بوصفه أحد أهم العناصر اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار الحقيقيين. ومن الواضح أن الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية مكة ستسهم في دعم بعضها بعضاً من جوانب مختلفة، ويمكن القول إن الاتفاقية تقدم فرصة تاريخية لإنشاء منظومة أمنية جديدة.


ومن المتوقع أن تُحدث هذه الخطوة، التي تهدف في جوهرها إلى تعزيز التعاون الدفاعي، تأثيراً مشابهاً لفترة السلام والاستقرار الطويلة التي أتاحها حلف الناتو لأوروبا. وكلما زاد الاستثمار في هذا التحالف وترسّخ مؤسسياً، وانضم إليه عدد أكبر من الأطراف الإقليمية، أصبح أكثر استدامة وفاعلية.


وقد أظهرت الحرب مع إيران أن التكتلات الإقليمية، مثل مجلس التعاون الخليجي، ظلت عاجزة بسبب عدم اتساعها بما يكفي، ولذلك يكتسب انضمام دول مثل مصر إلى اتفاقية مكة في أقرب وقت أهمية كبيرة. وربما لا ترغب إسرائيل، وربما إيران أيضاً، في توسع هذا التكتل، لكن ينبغي لسياسة الولايات المتحدة، التي تسعى منذ سنوات إلى تقليص التزاماتها في المنطقة والتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أن تدعم انضمام دول إقليمية أخرى إليه.


وإذا انضمت مصر أيضاً، فسيضم التحالف ثلاثة من أبرز الفاعلين في المنطقة، وسيخدم تطوير قدرته على إيجاد حلول إقليمية للمشكلات الإقليمية ترسيخ السلام والاستقرار على نحو دائم.