يسعى الصهاينة إلى تحويل منظومة الاحتلال المستمرة في الضفة الغربية منذ نحو 60 عاماً إلى نظام دائم. وفي المقابل، يواصل الفلسطينيون، الذين يُجبرون بالقوة على مغادرة أرضهم، مقاومتهم للاحتلال منذ 60 عاماً. كما أن دفاعهم عن أنفسهم ورفضهم الخضوع يزيدان الصهاينة شراسة.


ويتزايد مستوى العنف الصهيوني عاماً بعد عام، فيما يعجز النظام الدولي الليبرالي، الذي يزعم أنه قائم على القواعد والقانون الدولي، عن ردع نظام الاستيطان الصهيوني العنصري والفاشي. ولا يقتصر الأمر على العجز، بل يتجاوزه إلى الدعم العلني والسري. فإسرائيل تحظى بتسامح لا يحظى به أي نظام آخر في العالم، وهذه الحالة «الاستثنائية» تكشف الوجه الحقيقي لمنظومة القانون الدولي.


وبفعل الدعم الأميركي والغربي الذي أطلق أيديهم، لم يعد الصهاينة يعترفون بحق أو قانون. ولأنهم لم يخضعوا لأي عقوبات، فقد نقضوا جميع الاتفاقات المبرمة مع الفلسطينيين. وهكذا تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية 700 ألف، وباتوا اليوم هم من يحددون سياسات إسرائيل.


كما يحاول المستوطنون الاستيلاء على أجزاء من سوريا ولبنان، ولن يتوقفوا ما دامت الحماية الأميركية والغربية مستمرة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال، خلال زيارته مستوطنة «غانيم» غير القانونية في الضفة الغربية: «هذه أرض أجدادنا، وسنبقى هنا إلى الأبد»، مؤكداً عزمهم على تعزيز المستوطنات.


أما نتنياهو، مرتكب الإبادة الجماعية، فقد أكد أنه لن يسمح بقيام «دولة فلسطينية» ما دام في منصب رئيس الوزراء. وباستثناء نحو 30 دولة، تعترف الغالبية الساحقة من دول الأمم المتحدة بفلسطين. وتستمد إسرائيل من الولايات المتحدة قدرتها على تحدي المنظمة الدولية. بل إن انهيار الإمبراطورية الأميركية سيكون على يد إسرائيل. ويدرك معظم الأميركيين ذلك، ويحاولون التخلص منها.


وعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة الحرب من أجل إسرائيل، فإن الأخيرة لا تنفذ أياً مما تطلبه منها واشنطن. ولا تكترث إسرائيل بغرق ترامب في مستنقع إيران، ولا بتدهور الحياة اليومية للأميركيين العاديين بسبب إغلاق مضيق هرمز. وهذا الوضع يثير استياء الأميركيين الذين يرفعون شعار «أميركا أولاً»، سواء كانوا من اليمين أو اليسار. ولهذا أصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل عنصراً ساماً في السياسة الأميركية، فيما تتسع رقعة الخلاف يوماً بعد يوم.


وفي الضفة الغربية، حاصر مستوطنون صهاينة منزل فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية. ووصلت اعتداءاتهم، في محاولة لإخلاء سكان المنزل بالقوة، إلى درجة من البشاعة أجبرت حتى مايك هاكابي، الذي يُفترض أنه سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، على رفع صوته.


ووصف هاكابي، الذي يُعد من أبرز رموز الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، أفراد هذه المجموعة الاستيطانية بأنهم «قطاع طرق» و«إرهابيون». وقال أيضاً إن تدخل السفارة الأميركية دفع الجيش والشرطة الإسرائيليين إلى التدخل ضد المجموعة، لكن سرعان ما اتضح أن ذلك لم يكن سوى تدخل شكلي.


ويؤمن هاكابي بأن الضفة الغربية من الأراضي الموعودة لليهود، وأن من حق إسرائيل الاستيلاء عليها. وخلال زيارة أجراها لإحدى مجموعات المستوطنين، قال عن الأراضي التي كانت الولايات المتحدة تعترف بها رسمياً، حتى عهد ترامب، باسم «الضفة الغربية»: «لم أستخدم قط مصطلحاً غير يهودا والسامرة. واستخدام أي مصطلح آخر سيكون ظلماً تاريخياً وإنكاراً للكتاب المقدس».


وفي مؤتمر عُقد خلال يونيو في الضفة الغربية المحتلة، قال هاكابي أيضاً: «لولا إسرائيل، لما وجدت أميركا. نحن ندين بوجودنا لما جرى على هذه الأرض».


واضطرار صهيوني مسيحي مثل هاكابي إلى وصف بعض المستوطنين بأنهم «قطاع طرق» يكشف مدى خطورة الوضع. لكنه حاول، في تصريح لاحق، فصل هذه المجموعة عن بقية المحتلين، زاعماً أنها لا تمثل جميع المستوطنين. وبذلك أدى هاكابي مهمته في تبرئة المستوطنين.


من ناحية أخرى، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس نقل الصلاحيات التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية. وبموجب ذلك، ستتولى الشرطة كامل المسؤولية عن المستوطنات والمستوطنين والقضايا المدنية. وسيؤدي هذا النقل إلى وضع الصلاحيات الشرطية تحت إمرة وزير الأمن القومي بن غفير، أحد أشد الوزراء تطرفاً في الدعوة إلى الضم.


ويمثل إعلان كاتس خطوة نحو تنفيذ ضم الضفة الغربية فعلياً. وما دام الدعم الأميركي والغربي مستمراً، فلن تتوقف إسرائيل، وستواصل غرس أنيابها في سوريا ولبنان وما وراءهما. يبدأ الأمر باحتلال عسكري، ثم يأتي المستوطنون، وبعد ذلك يُجبر السكان على الرحيل، وصولاً إلى الضم. هكذا تدور عجلة التوسع الصهيوني منذ عام 1948.