يبدو أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف الهجمات على إيران فاجأ إسرائيل. فمن الواضح أنها كانت على يقين تام بأن الولايات المتحدة ستبدأ شن هجمات شديدة القسوة على إيران، لكن ترامب فاجأها هذه المرة. وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين، الأحد، على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، أعلن ترامب أن اتفاق سلام مع إيران سيُبرم «قريباً»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستحصل على الأمرين اللذين تريدهما أكثر من غيرهما: فتح مضيق هرمز، وضمان عدم تمكّن إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن مضيق هرمز كان مفتوحاً قبل اندلاع الحرب. ولم يكن الهدف السياسي من الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران فتح مضيق مفتوح أصلاً. كما لم تكن هناك، وفقاً لأجهزة الاستخبارات الأميركية، أي أدلة تشير إلى سعي إيران لامتلاك سلاح نووي. وكما حدث عندما غزت الولايات المتحدة العراق، بدأت هذه الحرب أيضاً استناداً إلى ذرائع مختلقة، وبدفع كامل من إسرائيل.
وبالطبع، عندما تقرر دولة ما شن حرب، فإنها تحتاج إلى اختلاق مبرر تقدمه إلى رأيها العام. فلا يمكنها أن تقول إنها بدأت الحرب من أجل خدمة المصالح الاستراتيجية لدولة أخرى. وفي الحقيقة، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، تكون إسرائيل دائماً هي جوهر المسألة. فتعمية إسرائيل للولايات المتحدة طوال هذه السنوات هي السبب وراء استمرار النزيف في المنطقة. وما لم تضع واشنطن إسرائيل على الطاولة بوصفها «مشكلة» بالنسبة إلى أميركا، فستواصل هدر دمائها وأموال خزينتها بلا طائل.
وتسود شكوك قوية، سواء لدى الرأي العام الأميركي أو داخل «معسكر ترامب»، بأن دماء الأميركيين وأموال خزينتهم تُهدر من أجل إنقاذ نتنياهو. ويعتقد غالبية الأميركيين أن الولايات المتحدة ابتُليت بإسرائيل، وأن ترامب ابتُلي بنتنياهو. ومهما قال ترامب، فإنه لا يستطيع تغيير هذه القناعة الراسخة لديهم.
وكان «الاتفاق النووي» الموقّع عام 2015، خلال عهد باراك أوباما، قد ضمن بالفعل عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، لكن ترامب هو من أفسد ذلك الاتفاق. وقد وقّعت عليه الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهي الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا، إلى جانب ألمانيا. كما نصّ على رفع جزء من العقوبات المفروضة على إيران، مقابل تجميد برنامجها النووي.
وكان بنيامين نتنياهو وحزبه «الليكود» في إسرائيل من أشد المعارضين لهذا الاتفاق. وحاول نتنياهو من خلال تحركات في واشنطن منع توقيعه، لكنه فشل، وهو ما أدى إلى نشوب خلافات حادة بينه وبين أوباما.
وبعد انتخاب ترامب رئيساً عام 2016، أثمرت الضغوط التي مارسها عليه نتنياهو والملياردير الصهيوني الأميركي ومالك الكازينوهات شيلدون أديلسون، وأُلغِي الاتفاق. وكان ترامب نفسه قد أقر بأن مساعي أديلسون المتواصلة أدت دوراً مهماً في إفساد الاتفاق النووي ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
ومع ذلك، كانت إدارة ترامب قد أكدت في أبريل 2017 التزام إيران بالاتفاق النووي. وفي يوليو من العام نفسه، أعلنت الإدارة أنها أبلغت الكونغرس بالتزام إيران بشروط «الاتفاق النووي لعام 2015»، لكنها تعهدت في الوقت ذاته بفرض عقوبات جديدة عليها بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية وانتهاكات أخرى مزعومة. وبذلك، أعطى ترامب أولى الإشارات إلى عزمه التهرب من تنفيذ الالتزامات المترتبة على الجانب الأميركي في الاتفاق. وبعد ذلك، واصل تشديد العقوبات المفروضة على إيران.
وفي مايو 2018، أعلن ترامب بالفعل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وحاولت الأطراف الأخرى في الاتفاق ثنيه عن قراره، لكنها لم تنجح. وعندما انتُخب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة عام 2020، بعدما كان نائباً للرئيس خلال عهد أوباما، تعهد بإحياء الاتفاق النووي، لكن تعهده بقي حبراً على ورق. وبسبب ضغوط اللوبي الإسرائيلي، لم يُلغِ بايدن حتى قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق.
وبعد مرور 8 سنوات على انهيار «الاتفاق النووي»، يقول ترامب اليوم إنه يريد إبرام اتفاق مماثل مع إيران. وكل ذلك نتيجة سير الولايات المتحدة في ركاب إسرائيل. فمن الواضح مدى عبثية أن تشن واشنطن حرباً على إيران بسبب أسلحة نووية لا تمتلكها، في الوقت الذي لا تنطق فيه بكلمة واحدة عن الأسلحة النووية الإسرائيلية.
ومهما بلغت جدية ترامب في تحويل مساره نحو «الاتفاق»، فإن نتنياهو لن يتورع عن ارتكاب أي شر، بما في ذلك تنفيذ هجمات تحت «راية كاذبة»، لإبقاء الولايات المتحدة عالقة في الحرب. كما تهدف الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان إلى إبقاء الحرب مشتعلة ومنع واشنطن من الخروج منها.
ترامب يعرف ذلك، وأعضاء فريقه الوزاري المقرّب يعرفونه، وغالبية الأميركيين يعرفونه أيضاً. وخلاصة القول إن المشكلة الرئيسية لترامب والولايات المتحدة هي إسرائيل ونتنياهو.

