في العام الماضي، شكّل فوز مرشح الحزب الديمقراطي زهران ممداني في انتخابات بلدية نيويورك صدمة في الولايات المتحدة. ممداني، الذي يصف نفسه بأنه “اشتراكي ديمقراطي”، لم يحصل على دعم الجناح التقليدي المقرّب من إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي بسبب خطابه المؤيد لفلسطين. كما بذلت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل جهوداً كبيرة لمنع فوزه في مدينة نيويورك ذات الأغلبية اليهودية. وقد اعتُبر فوزه في الانتخابات التمهيدية ثم فوزه بمنصب رئيس البلدية انتصاراً استثنائياً للجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي، الذي يُعدّ أبعد يساراً من التيار الرئيسي للحزب.
وقد وُصف فوز ممداني، المدعوم من السيناتور بيرني ساندرز، بأنه “بداية النهاية” للقيادة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي. كما جرى تشبيه خط ممداني اليساري بخط جيريمي كوربن الذي قاد حزب العمال البريطاني لفترة، ثم أُبعد لاحقاً بعد أن وُصف بـ“معاداة السامية” نتيجة ما قيل إنها مؤامرات لوبي إسرائيل. ويُذكر أيضاً أن كوربن اتُّهم بمحاولة دفع حزب العمال من الوسط نحو اليسار.
في نظر اليمين الأمريكي، يُتهم “الاشتراكيون الديمقراطيون” بأنهم “يسار متطرف”، بينما في أوروبا تُصنَّف الأحزاب الاشتراكية ضمن الأحزاب الرئيسية. كما تُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة أن شريحة مهمة من الناخبين الشباب تنظر بتعاطف إلى الاشتراكية الديمقراطية، وهو ما يُعزى جزئياً إلى ابتعاد القيادة الديمقراطية الوسطية التقليدية عن الطبقات العاملة لصالح مصالح الشركات الكبرى.
وتنشط منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا (DSA)” داخل محيط الحزب الديمقراطي. ورغم أنها لا تشارك مباشرة في الانتخابات، إلا أنها تعمل على دعم مرشحيها في الانتخابات المحلية والفيدرالية. ويُعد فوز ممداني أبرز دليل على تحوّل هذه الحركة إلى ظاهرة سياسية لا يمكن تجاهلها في الولايات المتحدة.
وفي سباق الترشيحات لانتخابات مجلس النواب المقررة في نوفمبر، برز أيضاً تأثير “DSA”. ففي الانتخابات التمهيدية التي جرت في نيويورك ليلة الثلاثاء، فاز ممداني وثلاثة مرشحين مدعومين من الحركة، وتمكن اثنان منهم من هزيمة نائبين حاليين، وهو أمر يُعد خروجاً عن القاعدة التقليدية التي كانت ترجّح فوز النواب الحاليين. وقد بدأت ردود الفعل على ما يُوصف بالفساد المؤسسي داخل الحزب الديمقراطي تُحدث تغييراً في هذه القواعد، مع تصاعد تمرد القاعدة الشبابية على القيادة التقليدية.
إن فوز ثلاثة اشتراكيين ديمقراطيين في نيويورك في الانتخابات التمهيدية يشير إلى احتمال تحوّل الحزب الديمقراطي نحو خط “اليسار الشعبوي”. ويرى بعض المحللين أن الاشتراكيين الديمقراطيين يمثلون داخل الحزب الديمقراطي ما يمثله التيار الشعبوي الترامبي (MAGA) داخل الحزب الجمهوري، بينما يعتبر الجناح الوسطي التقليدي أن هذا التيار يثير قلق الأوساط المعتدلة داخل الحزب.
وقال أشق صديق، الرئيس المشارك لمنظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا (DSA)” ذو الأصول البنغلاديشية، في تصريح بمناسبة الانتخابات التمهيدية في نيويورك:
“يريد الناس توسيع خدمات النقل العام عالية الجودة، وتوفير رعاية شاملة للأطفال، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى مستوى أجر المعيشة. وعندما تُطرح هذه السياسات للنقاش، فإنها تحظى بدعم واسع في المجتمع.”
ومن النقاط التي جعلت انتخابات نيويورك ذات أهمية خاصة أن المرشحين الفائزين في الانتخابات التمهيدية كانوا “مؤيدين لفلسطين”، بينما كان المرشحون الخاسرون “مؤيدين بشدة لإسرائيل”. وعلى الرغم من جهود لوبي إسرائيل ولجان التبرعات المرتبطة به، فإن فوز المرشحين المؤيدين لفلسطين شكّل ضربة قوية للتيار الصهيوني.
وقد أصبح هذا الانتصار السياسي في مدينة تُعد من أكثر المدن اليهودية خارج إسرائيل، الحدث الأبرز في الإعلام الصهيوني. وتشير هذه الوسائل إلى أن الخسارة في مدينة كانت تُعتبر معقلاً سياسياً داعماً لإسرائيل ستكون لها تداعيات كبيرة.
كما وُجّهت اتهامات إلى اليهودي الأمريكي براد لاندر، المدعوم من ممداني، بعد فوزه على المرشح اليهودي المؤيد بشدة لإسرائيل دان غولدمان، حيث وصفته بعض الأوساط الصهيونية بأنه “يهودي معادٍ للسامية”.
وفي أحد المنشورات الصهيونية، ذُكر أن نيويورك كانت تاريخياً مدينة تُشكّل فيها السياسة الديمقراطية تجاه إسرائيل، وأن “تلك المرحلة انتهت بهدوء أولاً ثم بشكل مفاجئ، وفي ليلة الثلاثاء دُفنت تماماً في التاريخ”. وأضاف المنشور أن مركز النفوذ المؤيد لإسرائيل في نيويورك بدأ بالتحول، وأن هذا التحول يتسارع بشكل متزايد.

