"الناقل الوطني".. هل يضع الأردن على طريق الاستقلال المائي؟
09:30, 02/09/2026, الأربعاء
الأناضول

"الناقل الوطني".. هل يضع الأردن على طريق الاستقلال المائي؟
تستعد المملكة الأردنية لإطلاق أكبر مشروع مائي في تاريخها لتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى العاصمة والمحافظات، ضمن خطة للاستقلال المائي عن الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الأمن المائي حتى 2040.
مشروع استراتيجي لمواجهة الفقر المائي
يستعد الأردن لإطلاق أكبر مشروع مائي في تاريخه، يرمي إلى تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها عبر شبكة أنابيب تمتد نحو 450 كيلومترا إلى مختلف مناطق المملكة، وذلك في إطار سعيه لمعالجة أزمة شح المياه التي تصنفه ضمن أكثر دول العالم جفافا. ويقدر حجم الاستثمار الإجمالي للمشروع بنحو 5.8 مليارات دولار، منها 4.3 مليارات تكاليف رأسمالية.
وتتوزع التمويلات بين منح دولية بقيمة 663 مليون دولار، وقروض استثمارية بـ2.9 مليار دولار، وتمويل بنكي أردني بـ1.1 مليار دولار، إضافة إلى مساهمة حكومية بـ722 مليون دولار، وينفذ المشروع وفق نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على أن تنتقل ملكيته بالكامل إلى الحكومة الأردنية بعد مرور 26 عاما على بدء التشغيل الرسمي، بحسب بيانات وزارة المياه والري.
تحديات الطاقة والتكلفة
ويواجه المشروع تحديات تقنية ومالية بارزة، أبرزها كلفة الطاقة التي قد تستهلك نحو 7 إلى 8 بالمئة من استهلاك الأردن الإجمالي للكهرباء، إذ يتطلب ضخ المياه المحلاة من العقبة إلى مناطق مرتفعة يصل فرق الارتفاع فيها إلى نحو 1100 متر طاقة هائلة، ما يرفع كلفة الضخ بشكل كبير.
وقال الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي للأناضول، إن المشروع يمثل "حلا لمشاكل عميقة كانت تؤدي إلى تبعية سياسية واقتصادية بسبب شح المياه"، مشيرا إلى أن حصة الفرد الأردني من المياه تبلغ نحو 60 مترا مكعبا سنويا مقارنة بحد الفقر المائي البالغ 500 متر مكعب.
وأشار الشوبكي إلى أن كلفة التشغيل المباشرة للمتر المكعب تقدر بنحو 2.70 دولار، قبل إضافة تكاليف الكهرباء والنقل والفاقد المائي، متوقعا أن يصل السعر النهائي إلى أكثر من 7 دولارات للمتر المكعب مع اكتمال المشروع. وأوضح أن الاعتماد الكامل على مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الكلفة يتطلب تقنيات تخزين مكلفة، محذرا من أن تأخر الإغلاق المالي قد يرفع التكاليف بفعل ارتفاع أسعار المواد الأولية.
نحو استقلال مائي من الاحتلال
ويتزامن المشروع مع سعي المملكة لتعزيز استقلاليتها المائية بعد انتهاء اتفاقية شراء 50 مليون متر مكعب سنويا من الاحتلال الإسرائيلي دون تجديد، في مايو/أيار 2024، إذ يرى خبراء أن المشروع يمنح الأردن هامشا أكبر من الحرية في قراراته بعيدا عن الضغوط المرتبطة بالحاجة إلى المياه. وأكد الخبير في العلوم المائية إلياس سلامة أن الأردن لا يملك بديلا عمليا عن تحلية مياه البحر الأحمر في ظل الظروف السياسية الإقليمية الراهنة، مشددا على ضرورة الاعتماد على الذات رغم ارتفاع الكلفة.
وقال إن استيراد المياه أو الاعتماد على مصادر خارجية لم يعد خيارا مضمونا، فيما لا تمثل المياه الجوفية العميقة بديلا واقعيا للمشروع، متوقعا الحاجة إلى كميات إضافية بعد 15 إلى 20 عاما مع استمرار ارتفاع الطلب السكاني والصناعي.
الشركاء والجدول الزمني
ويتولى تطوير المشروع ائتلاف فرنسي يضم شركتي "ميريديام" بنسبة 90 بالمئة و"سويز" بنسبة 10 بالمئة، فيما تشارك شركتا "المقاولون العرب" و"أوراسكوم للإنشاءات" المصريتان في أعمال البناء والتشغيل والصيانة. ومن المقرر البدء في أعمال الحفر والإنشاءات فور إتمام الإغلاق المالي، تمهيدا لبدء الضخ الرسمي بحلول العام 2030.
ومن المتوقع أن يضيف المشروع نحو 300 مليون متر مكعب سنويا، أي نحو 40 بالمئة من حاجة البلاد لمياه الشرب حتى العام 2040. يذكر أن كمية المياه المحلاة عبر الناقل الوطني ستعادل السعة الإجمالية لجميع سدود الأردن، وتزيد بنحو 3 أضعاف إنتاج مشروع مياه الديسي القائم حاليا، كما يهدف المشروع إلى تخفيف الضغط على المياه الجوفية لإتاحة الفرصة أمامها للتعافي كمخزون استراتيجي للأجيال القادمة.