حارس ذاكرة دير الزور.. عدسة سليمان توقظ حنين العودة (مقابلة)

13:49, 27/07/2026, الاثنين
الأناضول
حارس ذاكرة دير الزور.. عدسة سليمان توقظ حنين العودة (مقابلة)

يوثق المصور السوري جمعة سليمان منذ 54 عاماً ذاكرة مدينته دير الزور، من جمال نهر الفرات إلى الدمار الحربي وصولاً لإعادة الإعمار..

نصف قرن من توثيق الذاكرة

بدأ المصور السوري جمعة سليمان رحلته مع التصوير عام 1970، حاملاً آلة تصوير بسيطة وهو في الثانية عشرة من عمره، ليوثق بذاكرته البصرية تاريخ مدينته دير الزور على ضفاف نهر الفرات. ومنذ تلك الانطلاقة المبكرة، تجول سليمان (من مواليد 1958) بين جنبات المدينة، ملتقطاً مشاهد النهر والفيضانات والحياة الريفية والنسيج التاريخي، كما أسهم عمله في تعزيز فكرة العودة لدى المغتربين من أبناء المدينة خلال سنوات الحرب.

وقال سليمان، في مقابلة مع الأناضول، إن نهر الفرات كان أكثر ما أثر فيه خلال طفولته وشبابه. وأوضح: "كان الناس يتوافدون إلى ضفاف النهر في الربيع، وكانت طبيعة الفرات وأشجاره والحياة من حوله والتقاليد والأسواق القديمة تسحرني". وأضاف: "كنت أرغب في تصوير كل ما هو جميل، ولا سيما المهن التقليدية والحرف اليدوية ونمط الحياة القديم في المدينة".

ذاكرة حقبة

لم ينظر سليمان إلى التصوير بوصفه هواية عابرة، بل حرص على الاحتفاظ بالصور السالبة التي التقطها طوال عقود، حيث ما زال يملك صوراً بالأبيض والأسود والألوان تعود لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقال: "لا تزال لدي صور سالبة تعود إلى أعوام 1974 و1975 و1977 و1978، وحافظت على معظم الصور بالأبيض والأسود وبالألوان، لأنها ليست مجرد صور، بل ذاكرة حقبة كاملة".

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ركز على توثيق الأسواق التاريخية والفعاليات الثقافية، ليُنشئ أرشيفاً يضم مشاهد من دير الزور قبل عام 2011. ومع انتقاله للتصوير الرقمي في العقد الأول من الألفية الجديدة، أتاحت له العدسات البعيدة المدى توثيق تفاصيل دقيقة كطيور "مالك الحزين" من مسافات بعيدة.

مدينة من الركام

وصف سليمان الفترة التي سبقت الحرب بأنها الأكثر ازدهاراً، حيث نظم معارض في دمشق ودير الزور عامي 2011 و2012 عرض فيها جمال المدينة الطبيعي والتاريخي. وقال إن زوار المعارض كانوا يبدون دهشتهم من ثراء دير الزور، و"كان الناس يعجبون كثيرا بالمدينة عندما يرون مدى جمالها في الصور".

لكن اندلاع الحرب في سوريا (2011-2024) حوّل الأحياء التاريخية التي صورها سليمان إلى أنقاض. وأوضح أن مناطق الحميدية والشيخ ياسين والأسواق القديمة تعرضت لأضرار جسيمة، وأضاف: "دمرت الأماكن التي كانت تشكل هوية المدينة، وتحولت الأحياء القديمة والأسواق والأماكن المليئة بذكريات الناس إلى أطلال". ووصف المشهد بعد الحرب بأنه "مدينة من الركام".

عودة الحياة

منذ عام 2017، بدأ سليمان توثيق الدمار، قبل أن يشرع في تسجيل مراحل إعادة الإعمار بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. وقال: "كان الناس يسألونني: ماذا بقي في دير الزور كي تصوره؟ لكنني كنت مؤمنا بأن الحياة ستعود". وتابع: "مع مرور الوقت، فتحت المتاجر، وعادت الحركة إلى الشوارع، وأضيئت الأنوار، ووثقت كل ذلك".

وأشار إلى أن صوره منحت المقيمين خارج سوريا أملاً بالعودة، حيث تواصل معه بعضهم مؤكدين أن لقطاته عززت لديهم فكرة الرجوع. واستطرد: "مهمتي أن أتابع نبض المدينة. نريد ألا تعود دير الزور إلى ما كانت عليه فحسب، بل أن تصبح مدينة أجمل". وختم قائلاً: "لا تزال هناك أماكن مدمرة، لكن الحياة تعود، وسأواصل توثيق هذا التحول كما فعلت طوال السنوات الماضية".