ماركار إسيان | يني شفق

يقال إن المرحوم "بولانت أجاويد" (رئيس الوزراء التركي الأسبق) غضب كثيرا للسماح لحزب الشعب الجمهوري من ممارسة العمل السياسي من جديد بعد منع الأحزاب من العمل بعد انقلاب 1980. وفي المؤتمر العام للحزب في 9 أيلول \ أغسطس من سنة 1992 عاد حزب الشعب الجمهوري للواجهة، ليصبح "دينيز بايقال" الرئيس الرابع للحزب. كان أجاويد فرحا لهذه الخطوة لقناعته بأنه ممكن أن يولد الخير من الشر، كما أن هذه الخطوة قد تصحح مسار اليسار السياسي في خضم الحياة البيروقراطية السائدة للدولة. حيث سيكون من الخطأ قراءة هذا التصرف من منظور المنافسة السياسية فقط.

بعد انقلاب 1980 تأسس الحزب الشعبي وكان من بين ثلاثة أحزاب تشكلت وقتها، واندمج هذا الحزب مع حزب آخر أسسه "أردال إينونو" اسمه الحزب الديمقراطي اليساري، ليصبح هناك حزب جديد اسمه حزب الشعب اليساري، وكان أمامه الفرصة ليجدد الحيوية لليسار في البلاد. وقد ذهب هذا الحزب لعمل اتفاق في الانتخابات التي جرت في سنة 1991 مع حزب العمل الشعبي ذو التوجه الكردي وقد عُدّتْ وقتها خطوة جريئة منه. ولكن ما لبث هذا الاتفاق أن تفتت من جراء الوضع المتأزم في البلاد.

كان هناك حزب الشعب اليساري حزب اليسار الديمقراطي الذي أسسه "أجاويد" وحزب الشعب الجمهوري الذي عاد لمزاولة نشاطه مجددا. خرجت الأحزاب الثلاثة بهزيمة نكراء في انتخابات البلديات التي جرت في 1994. تنحى إينونو عن الواجهة السياسة على إثر هذه الهزيمة. أما أجاويد، فقد وقف بعيدا عن حزب الشعب الجمهوري والاتحاد بين أحزاب اليسار، وذلك لتجربته وحنكته.

وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 1995 حاز حزب الشعب الجمهوري على فوز بصعوبة في الانتخابات واجتاز حاجز الانتخابات بفارق طفيف. لكنه في انتخابات 1999 بقي خارج مجلس الشعب. أما حزب اليسار الديمقراطي برئاسة أجاويد فقد حصل في انتخابات 1995 على ضعف أصوات حزب الشعب الجمهوري، بينما حصل في انتخابات 1999 على المركز الأول والذي أقيمت بعد الانقلاب الأبيض على حكومة أربكان. وقد استطاع هذا الحزب أن يحوز على أصوات اليسار على حساب الشعب الجمهوري على الرغم من كل العقبات. بعد فترة قليلة في سنة 2000 عاد بايكال لرئاسة حزب الشعب الجمهوري، وقام بدور المعارض العنيد للحكومة الائتلافية المنهكة من جراء الأزمة التي عصفت في البلاد في سنة 2001. وكانت هذه الحكومة مشكلة من حزب اليسار الديمقراطي وحزب الحركة القومية وحزب الوطن الأم. قاوم أجاويد هذه الظروف المتأزمة، ولكنه ما لبث أن انصاع لهذه الظروف في سنة 2002 بحجة الأوضاع الصحية. طالب حزب الحركة القومية بانتخابات مبكرة وبالفعل حصلت هذه الانتخابات ليبدأ بعد فترة حكم حزب العدالة والتنمية. وهكذا انسحب الحزبان اليساريان من الحياة السياسية ليستمر حزب الشعب الجمهوري على اعتباره هو الأساس.

وقف حزب الشعب الجمهوري سدا منيعا أمام حزب العدالة والتنمية وخصوصا في الانتخابات الرئاسية لسنة 2007، وضد قانون رفع الحظر عن الحجاب في سنة 2008 وقام بتشكيل جبهة معه من البيروقراطيين وأدعياء الوصاية على الشعب. حمل قانون الانتخابات الرئاسية على المحكمة الدستورية العليا، وقد تزامن ذلك مع إعلان قوى الجيش التركي تحذيرها للحكومة في 27 نيسان \ أبريل، والتي أعقبها إحالة حزب العدالة والتنمية للمحكمة الدستورية العليا من أجل إغلاقه. حاول حزب الشعب الجمهوري أن يسيء إلى الحياة السياسية في البلاد بكل وسعه. ولكنه لم يستطع تحقيق أيّ من محاولاته اليائسة، وبذلك انخفضت شعبية بايقال.

وقد تآمر حزبه عليه وقبل أسبوعين من انعقاد مؤتمر الحزب العام الـ 33 بتاريخ 22 أيار \ أغسطس أُقصيَ بايقال عن الحزب عن طريق فضائح جنسية انتشرت على شبكة الانترنت. كانت هذه عملية مقصودة وبشكل واضح.

كان قبلها قيليتشدار أوغلو يعارض ترشيح نفسه لرئاسة الحزب وبشكل قاطع، ولكنه في هذه المرة استقال من رئاسة مجموعته الحزبية في مجلس الشعب ورشّح نفسه لرئاسة الحزب وفاز. وكان أكبر الداعمين له في هذه الانتخابات على رئاسة الحزب كبير مسؤولي الحزب أوندار صاي، والذي كان قبلها من أكبر المعارضين لترأس قيليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب. وقد قام بعد ذلك قيليتشدار أوغلو بتصفية صاي ومناصريه من الحزب.

لو استثنينا فضيحة بايقال فإن كل ذلك كان يجري من أجل وقف امتداد حزب العدالة والتنمية والذي بدأ يكبر بشكل كبير، ففكروا أن يتغلبوا عليه عن طريق تبديل رؤوس الأحزاب التي كان يواجهها وإعادة تشكيلها من جديد وذلك بعد أن فشلوا معه عن طريق صناديق الاقتراع.

ولكن هذا التغيير الهندسي والذي يستبعد التفكير الفكري لم يحقق لحزب الشعب الجمهوري أية مكاسب. هذا التغيير الهش في حزب الشعب الجمهوري لم يرقَ لجعل هذا الحزب أملا للذين ينتظرون المزيد من الحرية في البلاد، وقد صدق حدس أجاويد فيه من عدم جدوى سياسة هذا الحزب في تحقيق آمال الشعب.

لكن يأبى قيليتشدار أوغلو إلا أن يحقق مثال الإنسان الذي قتله نصف الطبيب. إن الضعف العميق في المبدأ والفكر وعدم الشجاعة في المواقف لم تأتِ بالفائدة على أحد. وقد قطع الأمل في هذا الحزب المتلوّن أقرب الناس إليه. وقد رأوا أن الحزب يراوح في مكانه. ومن الآن نرى أن الحزب الجديد الذي شكلته المنشقة عن حزب الشعب الجمهوري أمينة أولكر طارهان، قد استحوذ على نسبة 2% مما يشير إلى إمكانية انخفاض نسبة حزب الشعب الجمهوري إلى أقل من 30% في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في 2015.

احتمال كبير أن قيليتشدار أوغلو قد أدرك ذلك، فلذلك قام باتهام وكالة الاستخبارات القومية بتدبير مؤامرة ضده، وذلك لكسب التعاطف معه، ولكن هذه الطريقة الرخيصة لا تكفي لإنقاذه ولا تتفق مع المبادئ السياسية.

فكما عبر داود أوغلو مؤخرا عن لجوء قيليتشدار أوغلو إلى اتهام وكالة الاستخبارات بانه يشير إلى نهاية وإفلاس حزب الشعب الجمهوري سياسيا.


العناوين: