كيف يتسبب "العقل اليهودي" في انهيار علامة تجارية؟

أرسين جليك
أرسين جليكالكاتب في صحيفة يني شفق
08:12, 11/09/2026, الجمعة • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
كيف يتسبب "العقل اليهودي" في انهيار علامة تجارية؟

اقترب الفيلم الوثائقي "اليهود الحسيديون", الذي نشره صانع المحتوى روحي تشينيت على يوتيوب في 26 أغسطس، من تحقيق 70 مليون مشاهدة خلال أسبوع واحد.

وما جعل الفيلم ينتشر على نطاق واسع أساسًا هو الأساليب التي ابتُكرت للتحايل على القواعد الدينية التي تحظر العمل في يوم «الشبات»، وهو اليوم المقدس لدى اليهود.

وسرعان ما تحولت عبارة قالها أحد الحسيديين، وهي «العقل اليهودي وجد حلًا لهذا أيضًا»، إلى قالب رائج على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي مختلف أنحاء العالم، ارتدى أشخاص ملابس الحسيديين وسخروا بالعبارة نفسها من الحلول العبثية التي ابتكروها لمشكلات الحياة اليومية.

لكن الأشخاص الذين شاهدوا هذه المقاطع وضحكوا عليها بدأ يظهر أمامهم فيلم إعلاني «يُجمّل الإبادة الجماعية». وكان «العقل اليهودي» يمضي مجددًا على طريقته المعهودة.

أطلقت أديداس حملة في متاجرها داخل إسرائيل، واختارت جنديًا إسرائيليًا سابقًا فقد إحدى ساقيه في غزة ليكون وجهًا إعلانيًا لها.

وأعلنت العلامة التجارية، وكأنها تستغبي البشرية جمعاء، أنها تتيح للرياضيين الذين لديهم ساق واحدة شراء حذاء واحد فقط.

لكن تقديم هذه الفكرة من خلال محتل شارك في المجازر في غزة كان استغلالًا للرياضيين الذين فقدوا أطرافهم في الدعاية للإبادة الجماعية. لقد فكّر «العقل اليهودي» في هذا أيضًا.

فوفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، فقد أكثر من 5 آلاف شخص في غزة أطرافًا من أجسادهم منذ أكتوبر 2023، بينهم عدد كبير من الأطفال.

وفي ظل مشهد كهذا، كان تقديم أديداس جنديًا خدم في الجيش الإسرائيلي على أنه «بطل مُلهم» خيارًا سياسيًا. أي إننا نتحدث عن فيديو صُوّر ونُشر عن علم وقصد.

وإلا، فلماذا تُعرّض علامة تجارية عالمية، ترعى أبرز أندية كرة القدم في العالم، ويرتدي منتجاتها نجوم الرياضة، وتحضر في كبرى الفعاليات، نفسها لاتهام خطير مثل ارتباط اسمها بالإبادة الجماعية؟

وفي ظل المقاطعة التي أثّرت في إيرادات شركات مثل كوكاكولا وماكدونالدز وستاربكس وبرغر كينغ بسبب علاقاتها بإسرائيل، فمن غير المنطقي أصلًا ألا تتوقع أديداس رد الفعل الذي ستواجهه.

علاوة على ذلك، اكتفت الشركة بنشر توضيح عبر حسابها العربي فقط، قالت فيه: «لم نكن نقصد الإساءة إلى أحد». أما حساباتها العالمية، بما فيها حسابها في تركيا، فلم تنشر أي توضيح لفترة طويلة.

وحاولت أديداس حصر رد الفعل في حساسيات المنطقة العربية، لكن استراتيجيتها الاتصالية السيئة فاقمت الغضب في الغرب أكثر.

وانضمت شريحة واسعة إلى دعوات مقاطعة أديداس، بدءًا من حركة BDS والأكاديميين، وصولًا إلى عضوة البرلمان الأوروبي ريما حسن والممثل خافيير بارديم. وهكذا تأكد أن حملة أديداس، التي ظهرت بمظهر الشمولية، اعتُبرت في حقيقتها فيلمًا داعمًا للإبادة الجماعية.

هذا بالضبط ما لم يفكر فيه «العقل اليهودي». وفي المحصلة، نشهد اهتزاز علامة تجارية عالمية، وربما انهيارها.

ثمة في الواقع رابط غير مباشر، لكنه مثير جدًا للاهتمام، بين المحتويات التي أُنتجت استنادًا إلى العبارات الواردة في فيلم روحي تشينيت الوثائقي وبين فيلم أديداس الإعلاني.

سأوضح الأمر على النحو الآتي: إن تفاخر الحسيدي في الفيلم بتحايله على حظر تشغيل الكهرباء يوم السبت، عبر إبقاء الضوء مشغّلًا منذ يوم الجمعة، وقوله: «العقل اليهودي وجد حلًا لهذا أيضًا»، وتسويق أديداس مرتكب إبادة جماعية بوصفه «قصة بطولة»، ينطلقان من الافتراض نفسه: «نحن أذكياء جدًا. نحن من يضع القواعد، ونخرقها عند الضرورة. ونجيد فعل ذلك، ولن يجرؤ أحد على مساءلتنا».

هذا بالضبط ما فعلته أديداس. فقد تجاهلت فقدان آلاف الأشخاص أطرافهم في غزة، واعتقدت أنها تستطيع تحويل الجنود الذين تسببوا بهذه الوحشية إلى قصص ملهمة. وكان حسابها أن رد الفعل سيبقى محدودًا، وأنه يمكن توجيه الرأي العام اعتمادًا على الصورة القوية للعلامة التجارية؛ لأن الأمور كانت تسير على هذا النحو دائمًا.

لكن الصور التي انتشرت من غزة بعد 7 أكتوبر حطمت صورة إسرائيل في المجتمعات الغربية، وغيّرت نظرتها إلى اليهود. فالبشرية التي أفاقت من تخديرها على صرخات غزة استعادت رشدها وبدأت ترى الحقائق.

وما لا تراه إسرائيل والعلامات التجارية الداعمة لها هو تلك الموجة الكبرى المقبلة. فهم واثقون بقوتهم إلى درجة أنهم لا يرون حتى ضرورة أخذ رد الفعل المضاد لهم في الحسبان.

ولدى أديداس أيضًا 125 متجرًا في بلادنا، وتستحوذ على 25% من سوق الأحذية الرياضية. وعلى الرغم من الاحتجاج عليها منذ أيام، فإن حساب العلامة التجارية في تركيا لم ينشر حتى سطرًا واحدًا للتوضيح. فما هذا إن لم يكن «غرورًا»؟

لكن ما لا يرونه هو أن «العقل اليهودي» لا يجد حلًا لترميم صورتهم التي تحطمت بالكامل. فقد تجاوزت معدلات الرفض تجاه اليهود في أميركا وأوروبا منذ زمن مستويات يتعذر إصلاحها، وهي تواصل الارتفاع يومًا بعد يوم.

إن «العقل اليهودي»، الذي يرى نفسه دائمًا متقدمًا بخطوة، ومتميزًا ومتفوقًا وخارج القواعد على الدوام، سيُغرق أيضًا السياسيين والشركات والدول والشعوب، بعدما ظن أنه يستطيع شراء السمعة بالمال في ظل الإبادة الجماعية. وسنشهد ذلك واحدًا تلو الآخر في المستقبل القريب