ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها».. أصبحت الدولة الوحيدة التي تتحاور مع جميع «الأقطاب».. شهد صيف 2026 خطوات هائلة في الداخل والخارج.. المحور الغربي، المحور الشرقي، المحور التركي

08:41, 03/09/2026, الخميس • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها».. أصبحت الدولة الوحيدة التي تتحاور مع جميع «الأقطاب».. شهد صيف 2026 خطوات هائلة في الداخل والخارج.. المحور الغربي، المحور الشرقي، المحور التركي

بات العالم الآن «متعدد» الأقطاب. انتهى عصر العالم ثنائي القطب، ثم انهار مشروع العالم أحادي القطب الذي حاولت الولايات المتحدة إقامته. تراجع الغرب وصعد الشرق. وفي هذه الأثناء تحديدًا، بدأت تركيا تصعد بوصفها قوة حاسمة لا غنى عنها.

وتسعى تركيا إلى احتلال موقع مركزي داخل جميع هذه «الأقطاب» و«الجبهات»، أو أنها أصبحت عنصر الربط الأكثر تأثيرًا بين الجبهات، وربما الوحيد.

كانت تركيا «دولة جبهة» في العالم ثنائي القطب، ووُضعت في موقع «الشريك المنفّذ» ضمن مشروع العالم أحادي القطب الذي قادته الولايات المتحدة. أما في هذا العالم متعدد الأقطاب، فقد بدأت تؤسس لعبتها الخاصة، وتتحول بنفسها إلى مركز، وتحرك نطاقًا جغرافيًا واسعًا عبر محور تقوده بنفسها.

حاولوا عرقلتها أولًا، ثم قالوا: «لنكن شركاء»

عندما رأوا بلدًا وريثًا لإمبراطوريات يشق طريقه بنفسه بإصرار وشجاعة، حاولوا في البداية عرقلته.

نفذوا تدخلات من الداخل والخارج، وشكّلوا جبهات على المستويين العالمي والإقليمي، وحاولوا إيقاف تركيا. وهذا هو سبب جميع الصدمات التي عشناها خلال العشرين عامًا الماضية.

لكن أيًا من ذلك لم ينجح. وتحولت خطط «إيقاف تركيا» إلى محاولات «الشراكة مع تركيا» و«استمالة تركيا». وأصبحت تطلعات الغرب والشرق، وكذلك جميع المناطق التي تُجبر على الاختيار بينهما، تجاه تركيا واضحة ومتزايدة.

تركيا جعلت نفسها «قوة لا غنى عنها» للغرب والشرق

في أثناء ذلك، تخلصت تركيا من أدوات «التدخل الخارجي»، مثل تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم بي كا كا الإرهابي. وصمدت وحدها في سوريا وحققت النتيجة التي أرادتها. والآن تتحرك تركيا وسوريا معًا كما لو أنهما محور واحد.

وامتد هذا النهج إلى لبنان والعراق والصومال والسودان وليبيا ودول أخرى كثيرة. وأعتقد أننا سنشهد خلال المرحلة المقبلة تغيرًا عميقًا في هذه البلدان أيضًا.

وبينما كانت تركيا تبني بإصرار محورًا جديدًا مع شركائها، كانت تعزز إلى أقصى حد علاقاتها مع كتلتي القوة الغربية والشرقية القائمتين.

فهي لم تكن تنأى بنفسها عن الشرق بحجة أنها تنتمي إلى الكتلة الغربية، ولم تكن تتخذ موقفًا من الغرب بالاستناد إلى الكتلة الشرقية. كما لم تكن تنظر إلى جميع الصراعات والأزمات في العالم من خلال «اختيار أحد الصفوف بسهولة»، بل كانت تدير علاقات أكثر تعقيدًا بكثير بطريقة عقلانية، وتجعل نفسها قوة «لا يمكن الاستغناء عنها».

«موضة تركيا» في قمة الناتو.. فما سبب هذا «المديح»؟

عُقدت قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يونيو. وشهدنا «موضة تركية» لدى الجميع، بدءًا من الرئيس الأميركي ترامب وصولًا إلى القادة والدول الأوروبية.

كانوا جميعًا يريدون التقرب من تركيا، ويعززون مكانتها داخل الحلف، ويحاولون من خلال إشادات استثنائية وضعها في قلب المحور الغربي. لم نشهد منذ سنوات قمة للناتو كهذه، ولم نشهد من قبل كل هذا المديح لتركيا.

والسبب أن الحرب الروسية-الأوروبية المستمرة في أوكرانيا جعلت الحدود الشرقية لأوروبا شديدة الخطورة. ولم يكن الدفاع الأوروبي بهذه الدرجة من «الإلحاح» منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت هناك حاجة كبيرة إلى تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو.

سندافع عن الغرب، لكننا لن نذهب إلى «الجبهات» من أجله

كانت تركيا مدركة للوضع. وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام إقامة جميع أشكال الشراكة مع أوروبا في مجال الدفاع. لكن ذلك لم يكن ليصل إلى حد «دفع تركيا وروسيا إلى خوض حرب».

كانت هذه هي النقطة الحاسمة. ستعزز تركيا علاقاتها مع الكتلة الغربية بصورة أكبر، لكن طبيعة هذه العلاقة ستتغير، وستتحول تركيا إلى قوة مركزية.

وكانت قمة الناتو في أنقرة بداية لهذا «النوع الجديد من الشراكة». لكن لن يكون بالإمكان، كما في السابق، دفع تركيا إلى الجبهة الروسية دفاعًا عن أوروبا، أو إرسالها من جبهة إلى أخرى، ولن يتكرر «نموذج أوكرانيا» إطلاقًا.

ستدافع أوروبا عن نفسها، وستقدم تركيا الدعم لها. لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه أوروبا تعيش في رخاء، بينما كانت تركيا تُرسل إلى الجبهات.

بعد الناتو، تحالف مكة: اقتصاد ضخم وجيوش ضخمة و«أغلى» جغرافيا في العالم...

بعد قمة الناتو مباشرة، تأسس في 7 أغسطس تحالف مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان. وفي الظاهر، بدا هذا التحالف إجراءً لمواجهة الهجمات الإسرائيلية في المنطقة. وقد فسره بعضهم بهذه الطريقة، فيما استهان به آخرون انطلاقًا من فكرة مفادها أن «اتفاقات مماثلة تُبرم دائمًا بين الدول الإسلامية، لكنها لا تحقق أي فائدة».

لكن الأمر ليس كذلك. كان انضمام مصر وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا والجزائر ودول أخرى كثيرة إلى هذا الكيان مطروحًا. وكانت أسس شيء ما تُرسى في «أغلى» بقعة جغرافية في العالم، تسيطر على المحور المركزي للأرض، وتضم اقتصادًا هائلًا وتكنولوجيا عسكرية ضخمة وجيوشًا كبيرة جدًا.

الخطوة الأولى لـ«محور جديد» في عالم متعدد الأقطاب: ما الذي يُخطط له في قلب العالم؟

أعتقد أن هذه كانت الخطوة الأولى نحو إنشاء «قطب» جديد و«محور» جديد في «العالم متعدد الأقطاب». فمن سواحل المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، كان شيء ما يتحرك على امتداد المحور المركزي للعالم.

كانت جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط ووسط إفريقيا وشمالها تقع كلها ضمن هذه الجغرافيا. وكانت طرق التجارة البرية والبحرية هنا، وكذلك الممرات البحرية. وكانت هذه الجغرافيا أقوى سلاح في العالم.

فما الذي يدور في ذهن تركيا؟ وما الذي تخطط له في قلب العالم في ظل الحديث عن التحالف الغربي والتحالف الشرقي؟ وما معنى هذا التوجه الجديد بالتزامن مع تعزيز علاقاتها بالغرب والشرق؟

تحول التحالف الغربي إلى جبهة واضحة، وأصبح المحور الشرقي جبهة مشتركة. وفيما يضيّق الجميع نطاق تحركهم ويركزون على محاورهم الخاصة، تواصل تركيا وحدها حوارها مع جميع الجبهات، وتدير ذلك بمهارة مذهلة.

تحالف شنغهاي: ينبغي إخراج الهند وضم تركيا...

بعد قمة الناتو وتحالف مكة، عُقدت في الأول من سبتمبر قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك بقرغيزستان. تركيا ليست عضوًا كاملًا، بل «شريك حوار»، لكن علاقاتها قوية جدًا مع أعضاء المنظمة باستثناء الهند. وفي معادلة قوة عالمية ترجح فيها كفة الطرف الذي تتجه إليه تركيا، تشكّل هذه العلاقة أيضًا عنصر توازن في علاقات تركيا مع الغرب.

وبالنظر إلى الأضرار التي قد تلحقها بالمنظمة دولة مؤسسة مثل الهند، التي تحولت إلى لعبة في يد إسرائيل وتمتلك القدرة على نسف التحالف، يتضح أن علاقات تركيا بأعضاء المنظمة أكثر موثوقية بكثير، حتى وإن لم تكن عضوًا فيها.

ومن شأن عضوية تركيا أن تكون بناءة للغاية بالنسبة إلى المنظمة أيضًا، من ناحية علاقاتها بالغرب. وفي ظل هذا الوضع، يصبح إخراج الهند ومنح تركيا العضوية الكاملة، إذا أخذنا في الحسبان «اتساع جغرافيتنا المشتركة»، القضية التي ينبغي للمحور الشرقي التفكير فيها أكثر من أي قضية أخرى.

تلك الصورة الواردة من القمة تقول الكثير في الواقع...

إن نجاح تركيا، المتداخلة إلى هذا الحد مع التحالف الغربي، في إبقاء علاقاتها مع التحالف الشرقي عند هذا المستوى من الثقة والتوازن يُعد إنجازًا كبيرًا. ويشكّل ذلك، إلى جانب المناورات المرنة في لعبة القوة، مؤشرًا واضحًا على مدى الحاجة إلى تركيا.

وتكشف الصورة الواردة من القمة، التي يظهر فيها الرئيس الروسي بوتين ورئيس بيلاروسيا لوكاشينكو وهما يحاولان شرح شيء ما للرئيس أردوغان، هذه الحقيقة بوضوح.

حرب الشرق والغرب حتمية.. وإبقاء تركيا وجغرافيتنا خارجها...

إن حرب الشرق والغرب حتمية في مستقبل العالم. ولأن مجال القوة العالمية لم يُتقاسم بصورة عادلة، لم يبقَ سوى خيار اقتسامه عبر الحرب.

وتنصب جميع جهود تركيا على إبقاء نفسها وجغرافيتها المشتركة خارج هذا الصراع. وهذه أيضًا الطريقة الوحيدة لبناء القوة التي ستضع جغرافيتنا في قلب مجال القوة العالمية.

إن حسابات التقارب مع تحالفي الغرب والشرق، والرغبة في تعزيز العلاقات بصورة أكبر، وتحويل نفسها ومجالها الجغرافي الواسع إلى قوة مركزية، تنم عن حنكة مذهلة. وهذا صعب ومرهق ويتطلب جهودًا طويلة، لكنه يغيّر مسار التاريخ وخريطة القوة في العالم.

«الدول القومية» لا تجري حسابات كهذه.. فهذه ردود أفعال إمبراطورية

لا تجري الدول القومية حسابات كهذه، بل تتموضع داخل محور أو تحالف، وتنشئ لنفسها مساحة آمنة هناك، وتؤمّن ذاتها. وهذا هو الخيار الأنسب للأمم التي لا تحمل مثل هذا الطموح، لأن أي مسار آخر قد يؤدي إلى فنائها.

أما القوى الكبرى والدول ذات التقاليد الإمبراطورية، فتتحرك بعقل عالمي وطموحات كبرى. وهذه القوى لا تتحرك لحماية الدولة القومية فحسب، بل وفق خرائط قوة تمتد على نطاق جغرافي. ويمكن رؤية ذلك في الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا. وهذه القوى وأمثالها هي التي تشكّل مجال القوة العالمية.

كيف ستغيّر «عودة تركيا إلى المسرح» العالم؟

بعد غياب دام مئة عام، وفي أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، تعود تركيا إلى مسرح التاريخ بوصفها قوة كبرى. ولن تتصرف بعد الآن بمنطق «الدولة القومية» أو «دولة خط المواجهة». ولا ينبغي لأحد أن يتوقع منها ذلك.

تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتابع بدقة حسابات العالم متعدد الأقطاب، وتقيم علاقات قوية مع جميع الأطراف، وتبني مع شركائها مجال قوة جديدًا. ونحن نسمي ذلك عودة «عقل الإمبراطوريات».

إن صيف 2026 والقمم الثلاث والصور التي أفرزتها تكتسي طابعًا «تاريخيًا». وبينما نتابع التطورات التي تتصدر الاهتمام، أقترح أن نتابع بعناية أيضًا «الخطوات الكبرى» لمسيرة التاريخ والجغرافيا.