ماركار إسيان | يني شفق
ناقشنا في السابق وجهات نظر الحركة التنويرية التقدمية تجاه ظاهرة الدين. إن أبناء الحركة التنويرية من النظريات العقلانية والتجريبية والميكانيكية والنشوئية تنظر إلى الدين على أنه أداة سلطوية ولدتها الحاجة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية. وهي ترى مركزية هذه الأداة السلطوية متمثلة في الإنسان والعقل البشري لا في "الإله"، وهي بذلك تلغي فكرة الإيمان بوجود الإله والأديان. لأن الناس سوف يرون في الدين أداة للسيطرة والسلطة فحسب. ولن يكون هناك حاجة للدين وللإيمان بوجود الله.
وقد ذكرت في مقالي السابق بأنني سوف أعرض وأناقش بعض التوجهات الفكرية لغير المؤمنين بفكرة وجود الله، وذلك من دون الدخول عميقاً في المسألة لضيق المساحة المعطاة لها هنا.
كما أشرت إلى أن مفهوم الأديان والأيمان بوجود الله لم يندثر مع مرور الزمن، وليس هناك ما يشير إلى احتمال اندثاره في المستقبل القريب.
ونظراً لانهيار النظرية الأولى فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه المفكر المتمسك بمبادئه القعلانية هو: "ما دام الدين باقٍ وغير قابل للاندثار فهل هو حقيقة وجودية لدى الإنسان؟" أو كما عبر عن ذلك كولاكوسكي :" ما دام هذا الاحتياج لا يشبع بإشباع غيره من الاحتياجات ولا يستبدل بأي منها ولا يذوب فيها، فهل يجب علينا قبوله كاحتياج مستقل إسمه الاحتياج الديني ؟"
وإن قبلنا بوجود هذه الحاجة للإيمان لدى الإنسان، فإن ذلك سيقودنا إلى سؤال منطقي آخر: "ما سبب وجود هذه الحاجة؟"
يؤمن كل من "نيتشه" و"سارتر" بقدرة الإنسان على تجريد نفسه من كل التقاليد والسلوكيات المعتادة، والتحرر من خلال ما يشبه نوبة من الهستيريا وقدرته على خلق معاني الأشياء بنفسه. مما يجعل الإنسان يعيد التفكير في المؤسسات الدينية والقيم التي أنشأتها الأخلاق والعادات، ليتمكن من التحرر منها.
ولكن هذه الأطروحة لا تفتح الباب للتجديد الروحي، بل على العكس فهي تدفن الروح الإنسانية في غياهب الظلام. حيث يصف كولاكوسكي هذه الحالة بقوله: "حين يؤمن الإنسان بأنه الموجد لكل المعاني بلا قيد ولا شرط، فإنه يكون قد آمن في الوقت ذاته بعدم الحاجة إلى أي خلق أي معنى. وهذا الإيمان لن يقدم للإنسان الجدية والطمأنينة بل من المتوقع أن يُغرِقه في متاهات العدم وفقدان الجدوى والقلق. فالانعتاق من التقاليد وضغط السلوك مع الخلو من الحس المعنوي والهدف يعني تفريغ الإنسان من مضمونه وجعله عرضة للتفكك."
ولكن لماذا يكون الإنسان بهذا الشكل؟ لماذا لا يكتمل وجوده باقتصاره على العقل والجسد؟ هل لأن الإيمان الذي يظهر كجزء من تكوينه الذاتي ينبع في الأساس من مصاعب الحياة؟ لو كان كذلك لتفهمنا حصوله في الأيام الأولى من الوقوف بحيرة أمام هذا الكون.
فهل يمكننا ربط إيمان البشر بوجود الخالق على اختلاف طرقهم على مدار التاريخ من دون استثناء وعلى هيئة مجتمعات منفصلة عن بعضها البعض بحقيقة وجود الخوف داخلهم؟؟
فلن نستطيع بأي من الأحوال القول بأن الفراعنة الذين بنوا الأهرامات وأمروا بدفن كل ممتلكاتهم وكنوزهم معهم عند موتهم خشية أن يحتاجوها في العالم الآخر، قد فعلوا كل ذلك على الرغم من معرفتهم بأن الدين مجرد أداة للسيطرة والحكم. إن الاندفاع نحو اعتقاد معين بدافع الخوف فقط يصبغ أصحابه بالطابع الحيواني. ويصعب حينها تفسير سلوكيات الإنسان الذي يبالغ في خوفه، إن كان الدين قد نتج فقط عن هذا الدافع الغريزي.
الحيوانات أيضاً تخاف، ولكنها لا تلتجأ إلى الله، بل تهرب أو تنقضّ. مما يعني أن العلاقة بين الله والإنسان تحمل بعداً عقلانياً، إلا أنها عقلانية لا تتسق مع السياق الحديث لمفهوم العقلانية. فالإنسان يملك من خلال استخدام عقله أساليب استيعاب وإدراك أكثر شمولاً من أفكار الحركة التنويرية. وهذا يذكرنا بمفهوم "العقل العاطفي".
فكما يقول كولاكوسكي:"إن ادعاء الإنسان بأن الله يقف معه وإلى صفه يستدعي إيمانه المسبق بوجوده ولا يفيد هذا الإدعاء "إيجاد" فكرة وجود الله." ولو كانت فكرة وجود الله نتاج الخوف من الطبيعة ومخاطر الحياة في البداية ثم أصبحت أداة لحماية السلطة، فإن هذا المفهوم لا ينطبق على شريحة كبيرة من البشر. لأن ملخص النظرية هذه يعني: "اخترع البشر أسلوبا ً للتغلب على خوفهم، ثم طوروه ليجعلوا منه أداة للسيطرة والحكم، ثم أنشأ ذلك لدى الإنسان الخوف الأكبر في حياته وهو الخوف من الموت." وهذا تسلسل غير منطقي على أية حال.
يرفض "نيتشه" و"سارتر" الاعتراف بالبعد الميتافيزيقي للإنسان، ويحولانه إلى متاهة تبدأ من الإنسان وتنتهي به. إلا أنهما يفشلان في تحقيق أهم متطلب يحتاجانه لإثبات صحتهما، ألا وهو التغلب عل حقيقة الموت.
ليس من المتوقع منهما أن يجدا علاجاً للموت، ولكنهما لم يستطيعا أن يقدما أي تقدم غير القول بأن: "الموت يأتي ونحن نذهب، وتنتهي الحكاية." مما ينفي معنى وجود الإنسان ويترك الإنسان المعاصر بلا مرساة. ولم يبحثا في السبب الذي يجعل الإنسان غير قادر على الصمود بلا مرساة. فلو تطرقت أطروحتهم لهذه المسألة لأدركوا أن هذا السؤال سوف يجعل أطروحتهم تنهار.
عندما رأوا العقل البشري يتسبب في المذابح والقتل بدلاً من تحويل العالم إلى جنة، نادوا الموت للمساعدة. إن جيلاً من المثقفين قد وجدوا الحل في ظاهرة ميتافيزيقية أخرى هي السعي نحو الموت. وقد شهدنا مذبحة معرفية خلال الحربين العالميتين. نيتشه الذي أدرك هذا التناقض سريعاً قرر أن يخلص عقله من التفكير واختار الجنون. أو أن بنيته لم تحتمل سوى التفكير في وجوده هو. أو أن الجنون يقع في مقام ما بعد الحقيقة في عالم كهذا.
العناوين:

