سياسة ترامب بشأن أمن الانتخابات

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
10:09, 22/07/2026, الأربعاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
سياسة ترامب بشأن أمن الانتخابات

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل ثلاثة أشهر من انتخابات نوفمبر، فتح باب الجدل بشأن أمن النظام الانتخابي الأمريكي. فبحجة أن النظام الانتخابي بات مهددًا، يدافع ترامب عن ضرورة إقرار قانون حماية أهلية الناخب الأمريكي (SAVE). وقد نجح، عبر ضغوطه على الجمهوريين، في تمرير مشروع القانون داخل مجلس النواب، إلا أن فرص إقراره في مجلس الشيوخ تبدو ضئيلة.

وتؤيد غالبية الرأي العام الأمريكي التحقق من هوية الناخبين خلال الانتخابات، غير أن ترامب لا يكتفي بحصر مشروع القانون في هذه المسألة، بل يسعى إلى تحويله إلى تشريع أشمل يتضمن بنودًا يصعب تطبيقها عمليًا في العديد من الولايات، كما أنها تفرض قيودًا على حق التصويت. ومن المرجح أن يتحول المشروع إلى ذريعة في حال تعرضه لهزيمة قبيل انتخابات نوفمبر.


وبالنظر إلى سجل ترامب السابق، إذ اعتاد إثارة قضية نزاهة الانتخابات بعد خسارته، يمكن القول إنه يسعى إلى تهيئة الأرضية لترويج رواية مفادها أن إرادة الناخبين قد سُرقت.


"مؤامرة روسيا"


بعد انتخابات عام 2016، أجمعت أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وتحقيق المدعي الخاص روبرت مولر، ولجنة الاستخبارات التي كان يسيطر عليها الجمهوريون، على أن روسيا حاولت التدخل في الانتخابات لصالح ترامب.


وكان تحقيق مولر يهدف إلى معرفة ما إذا كانت موسكو قد نسقت هذا التدخل مع شخصيات عملت ضمن حملة ترامب الانتخابية.


أما ترامب، فقد اعتبر هذه التحقيقات محاولة للنيل من شرعية فوزه ومن رئاسته، وحرص على تصويرها باعتبارها جزءًا مما وصفه بـ"المؤامرة الروسية" التي استهدفته.


وقد أثار غضب ترامب تصوير نتائج انتخابات 2016 على أنها "هدية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، بدلًا من اعتبارها نتيجة لفشله منافسته هيلاري كلينتون ونجاح حملته، وكان يرفض بشدة أي حديث عن أنه مدين لروسيا بفوزه.


ورغم اعترافه الكامل بنتائج المجمع الانتخابي التي أوصلته إلى البيت الأبيض، فإنه زعم أن تفوق هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي جاء نتيجة عمليات تزوير.


وادعى أن ملايين الأشخاص أدلوا بأصواتهم بصورة غير قانونية، بل شكّل لجنة تحقيق لهذا الغرض، لكنها لم تتوصل إلى أي نتائج ملموسة.


وبذلك، اعتبر ترامب أن الجزء من الانتخابات الذي منحه الرئاسة شرعي، بينما رأى أن الجزء الذي خسر فيه التصويت الشعبي مزور.


التصويت بالبريد وشرعية بايدن


من أبرز نتائج انتخابات عام 2020، التي جرت في ظل جائحة كورونا، توسيع العمل بنظام التصويت عبر البريد في عدد كبير من الولايات دون الحاجة إلى تقديم مبرر.


ومع إقبال الناخبين الديمقراطيين على هذا الأسلوب بشكل أكبر، بدأ ترامب يصف التصويت بالبريد بأنه وسيلة للتزوير، داعيًا الجمهوريين إلى الإدلاء بأصواتهم في مراكز الاقتراع يوم الانتخابات.


وقبل إجراء الانتخابات أصلًا، بدأ ترامب الحديث عن احتمال وقوع تزوير، وبعد فوز جو بايدن أعلن أن الانتخابات سُرقت وأن النظام الانتخابي بأكمله يفتقر إلى الشرعية.


ورغم رفع عشرات الدعاوى القضائية، لم تثبت أي منها وجود مخالفات من شأنها تغيير النتيجة، كما أعلنت وزارة العدل في عهد ترامب نفسه أنها لم تجد عمليات تزوير واسعة النطاق تؤثر في نتائج الانتخابات.


كذلك رفض حكام الولايات الجمهوريون مزاعم ترامب بشأن وجود مخالفات انتخابية واسعة، إلا أنه لا يزال حتى اليوم يرفض الاعتراف بفوز بايدن.


وقبيل انتخابات 2024، واصل ترامب الترويج للرواية نفسها، محذرًا من أن الديمقراطيين سيقومون بتزوير الانتخابات، لكنه دعا الجمهوريين هذه المرة إلى تحقيق "انتصار كاسح يستحيل معه التزوير".


ورغم فوزه في تلك الانتخابات، لم يعتبر ذلك دليلًا على سلامة النظام الانتخابي، بل رأى أن انتصاره جاء لأنه تمكن من التغلب على نظام معيب.


وبعبارة أخرى، فإن ترامب يتبنى موقفًا ثابتًا مفاده أن النظام الانتخابي لا يمكن الوثوق به، لكنه يبدي مرونة في تحديد ما إذا كانت الانتخابات مزورة أو لا، وفقًا لنتائجها.


سيناريو مألوف قبل انتخابات نوفمبر


مع اقتراب انتخابات نوفمبر 2026، عاد ترامب ليحذر من احتمال وقوع تزوير انتخابي، مدعيًا أن غير المواطنين الأمريكيين سيشاركون في التصويت.


وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين لا تعتقد بوجود تزوير واسع النطاق أو تهديد جدي لنزاهة الانتخابات، إلا أن نسبة المؤيدين لإلزام الناخبين بإبراز هوية شخصية تتجاوز 80%.


ولو اقتصر مشروع القانون المعروض على الكونغرس على إلزام الناخبين بإثبات هويتهم، لكانت فرص تمريره أكبر بكثير، غير أن إصرار ترامب على تشريع أكثر شمولًا يشير إلى رغبته في استثمار هذا الملف سياسيًا.


فالنسخة التي يدعمها البيت الأبيض لا تقتصر على إلزام الناخبين بإثبات الجنسية وإبراز الهوية أثناء التصويت، بل تتضمن أيضًا بنودًا تقيد التصويت بالبريد، وتحصره في الحالات التي تستند إلى أعذار خاصة.


تشريع مثير للجدل


أعلن عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بالفعل معارضتهم لمشروع القانون، معتبرين أن بنوده المقترحة مرتفعة التكلفة ويصعب تطبيقها عمليًا.


ومن هذا المنطلق، يبدو المشروع أقرب إلى كونه انعكاسًا لفهم ترامب لشرعية الانتخابات المرتبطة بنتائجها، أكثر من كونه إصلاحًا تقنيًا يهدف إلى تعزيز أمن العملية الانتخابية.


كما أن إجراء الانتخابات في الولايات الأمريكية، مع وجود اختلافات كبيرة بينها في آليات التنفيذ، يجعل محاولة ترامب إعادة تشكيل النظام الانتخابي من خلال تشريع اتحادي محل جدل واسع.


ورغم الضغوط التي يمارسها منذ أشهر لإقرار المشروع، فإنه لم يحصل حتى الآن إلا على موافقة مجلس النواب، بينما يبدو تمريره قبل انتخابات نوفمبر شبه مستحيل.


ومع ذلك، من الواضح أن ترامب حريص على إبقاء هذا الجدل حاضرًا، لأنه في حال الخسارة سيكون قادرًا على عزوها إلى التزوير، أما إذا فاز فسيواصل انتقاد النظام الانتخابي، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بنتائج الانتخابات لصالحه.


ومنذ عام 2016، أصبح التشكيك في شرعية النظام الانتخابي جزءًا أساسيًا من استراتيجية ترامب الانتخابية، إذ يساعده في تعبئة قاعدته الشعبية واتهام الديمقراطيين بعدم إيلاء أمن الانتخابات الاهتمام الكافي.


كما يمكن النظر إلى هذا النهج بوصفه امتدادًا لمحاولات تاريخية في الولايات المتحدة هدفت إلى تقييد حقوق التصويت لدى السود والمهاجرين، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن إلزام الناخبين بإبراز الهوية يحظى بتأييد شعبي واسع.


ويستثمر ترامب هذا التأييد الشعبي، ويخلطه بأجندته السياسية، ليجعله أحد أبرز أسلحة حملته الانتخابية.


وفي حال خسر الجمهوريون أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات نوفمبر، فمن غير المتوقع أن يتردد ترامب في إرجاع تلك النتيجة مرة أخرى إلى ما سيصفه بـ"ملايين الأصوات المزورة". وفي هذا السياق، يبرز مشروع قانون SAVE بوصفه أداة لترسيخ هذه الرواية، ووسيلة لإبقاء هذا الملف حاضرًا في المشهد السياسي.