حقيقة الناتو في أنقرة.. تركيا الحليف الذي لا غنى عنه

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
09:47, 10/07/2026, الجمعة • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
حقيقة الناتو في أنقرة.. تركيا الحليف الذي لا غنى عنه

أظهرت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة أن تركيا لا تؤدي دورًا محوريًا فقط بفضل قدراتها العسكرية وقوة صناعاتها الدفاعية، بل أيضًا في الحفاظ على التماسك السياسي داخل الحلف. ويبرهن حضور قادة الدول الأعضاء الـ32 على مستوى القمة على مدى فاعلية الجهود الدبلوماسية التركية في دفع الحلفاء إلى التحرك حول أهداف مشتركة، رغم التباينات السياسية القائمة داخل الناتو.

ويستحق موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامًا خاصًا، إذ لم يرفض دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان لحضور القمة، رغم الخلافات التي شهدتها علاقاته مع الحلفاء الأوروبيين، والتي تحولت في بعض الأحيان إلى أزمات دبلوماسية واستراتيجية كانت مرشحة للتصعيد. ويؤكد هذا المثال أهمية دبلوماسية القادة في تعزيز التحالفات المؤسسية، كما يثبت مرة أخرى أن تركيا باتت أحد الأطراف التي لا غنى عنها داخل الحلف.


ورغم التحديات التي تواجهها أنقرة مع عدد من دول الحلف، سواء في ملف مكافحة الإرهاب أو بسبب العقوبات الرسمية وغير الرسمية المفروضة عليها، فإن استمرارها في أداء دور قيادي يسهم في تعزيز قوة الحلف يمنح مفهوم الدفاع المشترك بعدًا استراتيجيًا مضاعفًا.


"الحلفاء في أنقرة"


تتيح القمم الدولية، من خلال اجتماعاتها الرسمية، تحويل الاتفاقات التي جرى الإعداد لها مسبقًا إلى نتائج ملموسة، إلى جانب رسم الرؤية للقمم المقبلة. أما الفعاليات الجانبية التي تُنظم على هامش هذه القمم، فتسهم في تعميق النقاشات الاستراتيجية عبر جمع المسؤولين الرسميين مع الخبراء.


وفي هذا الإطار، نُظمت فعالية "الحلفاء في أنقرة" على هامش قمة الناتو لهذا العام، بدعم من دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، وبمشاركة مؤسسة سيتا (SETA) ومؤتمر ميونيخ للأمن، وذلك في قصر أنقرة.


وشهدت الفعالية، التي تضمنت أكثر من 50 اجتماعًا وشارك فيها أكثر من 20 وزيرًا وقائدًا، نجاحًا لافتًا، إذ وفرت منصة لمناقشة طيف واسع من القضايا، من بينها ترجمة التزامات الحلفاء إلى خطوات عملية، والدور البنيوي الذي تؤديه الصناعات الدفاعية التركية، وسبل تعزيز التكامل بين مختلف أجنحة الحلف، والمكانة الخاصة لتركيا، والحرب في أوكرانيا، وأمن البنى التحتية الحيوية، والأمن الاقتصادي، إضافة إلى علاقات الحلف مع دول الشرق الأوسط والخليج.


وقد حظيت الجلسات التي تناولت الأولويات الاستراتيجية لتركيا داخل الحلف وخارجه، إلى جانب الصناعات الدفاعية، باهتمام خاص.


ما بعد النظام العالمي الذي أعقب الحرب الباردة


في الجلسة التي توليت إدارتها بعنوان "ما بعد النظام الذي أعقب الحرب الباردة: إيجاد الاتجاه في عصر الضبابية الاستراتيجية"، ناقشنا ما الذي ينبغي على حلف الناتو القيام به في ظل مرحلة أصبحت فيها الحروب المباشرة بين الدول وحالة الصراع المستمر أقرب إلى الوضع الطبيعي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الجيوسياسية ويزداد فيه التنافس الاقتصادي والتكنولوجي، بما يعمّق حالة عدم اليقين في النظام الدولي.


وخلال هذه الجلسة، برز تأثير الخبرة التركية في إدارة حالة الغموض التي تفرضها موقعها الجيوسياسي، الواقع بين الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، على التوجهات الاستراتيجية لحلف الناتو.


"حليف لا غنى عنه"


كلما شهدت العلاقات بين تركيا من جهة، والولايات المتحدة أو أوروبا من جهة أخرى، توترات سياسية، تسعى بعض الجهات التي تروّج لمواقف أيديولوجية معادية لتركيا إلى التشكيك في موقعها داخل الناتو، وتطرح بين الحين والآخر فكرة إخراجها من الحلف، رغم عدم وجود أي آلية قانونية تسمح بذلك.


كما تحاول هذه الجهات تصوير إصرار أنقرة على مكافحة الإرهاب، وسعيها إلى تطوير قدراتها في الصناعات الدفاعية، على أنه عبء على الحلف.


غير أن قمة الناتو في أنقرة قدمت ردًا واضحًا على هذه الادعاءات، إذ أكدت أن تركيا، التي أصبحت "حليفًا لا غنى عنه"، لا تقتصر أهميتها على دورها الحيوي داخل الحلف، بل تؤدي أيضًا إسهامًا سياسيًا أساسيًا في الحفاظ على وحدة الناتو، وهو ما يكشف مجددًا مدى عبثية هذه الطروحات ذات الدوافع غير الموضوعية.


وقد ناقشت القمة والفعاليات المصاحبة لها العديد من الأمثلة الملموسة التي تثبت أن مفهوم تركيا للدفاع لا يقتصر على حماية حدودها، بل يمتد إلى توفير الأمن لحلفائها أيضًا.


وفي وقت تطالب فيه الولايات المتحدة الحلفاء الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع المشترك، تقدم تركيا نموذجًا يؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بزيادة الإنفاق الدفاعي، بل بمنظومة أمنية متكاملة تشمل جيشًا قويًا، وقدرة سريعة على إنتاج المعدات الدفاعية، وقيادة سياسية فعالة، وأمنًا لسلاسل التوريد، إلى جانب دبلوماسية نشطة.


كما يتضح، في ظل المرحلة الانتقالية التي تواجهها أوروبا بسبب اعتمادها الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية، مدى صواب الرؤية الدفاعية التي تبنتها تركيا خلال السنوات الماضية.


فرص جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا


وفرت قمة الناتو في أنقرة فرصًا جديدة لتعزيز علاقات تركيا بكل من الولايات المتحدة وأوروبا.


وتشير تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن إزالة العقبات أمام التعاون الدفاعي مع تركيا إلى إمكانية اتخاذ خطوات عملية في ملفات مثل برنامج F-35.


كما أن مشاركة كل من الرئيسين السوري والأوكراني في القمة، رغم أن بلديهما ليسا عضوين في حلف الناتو، تعكس أيضًا مدى التقارب بين سياسات تركيا والولايات المتحدة تجاه هذين الملفين.


ويبدو أن ديناميكية مشابهة تتشكل مع أوروبا، ففي وقت تستعد فيه الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي وتحديث آليات شراء المعدات العسكرية، تبرز تركيا، التي أصبحت واحدة من أبرز منتجي الصناعات الدفاعية، بوصفها شريكًا يملك فرصًا جديدة للتعاون.


وفي المحصلة، يمكن القول إن قمة الناتو في أنقرة حققت نجاحًا كبيرًا بالنسبة لتركيا، سواء على صعيد تعزيز حضورها السياسي، أو دعم الأمن المشترك، أو الارتقاء بشراكاتها في مجال الصناعات الدفاعية.


ومع ذلك، لا تزال حالة الغموض وعدم الاستقرار التي أفرزتها الحربان في أوكرانيا وإيران تشكل تحديات استراتيجية كبيرة أمام دول الناتو، ولا سيما تركيا. وإدارة المخاطر الناجمة عن هذا الواقع تستنزف جزءًا مهمًا من الجهد التركي، إلا أن أهمية وجود قيادة تنظر إلى الأمن القومي بمنظور شامل، وتتخذ التدابير اللازمة، تزداد وضوحًا في مثل هذه الظروف.


وفي هذا السياق، لا تكتفي تركيا بالاستفادة من المظلة الأمنية التي يوفرها حلف الناتو، بل تواصل ترسيخ مكانتها كدولة تُنتج الأمن وتُصدره، وهو ما يرجح استمرار تنامي تأثيرها الاستراتيجي خلال المرحلة المقبلة.