هشاشة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية

قدير أوستون
قدير أوستونالكاتب في صحيفة يني شفق
07:57, 24/06/2026, الأربعاء • مركز الأخبار Yeni Şafak Arabic
هشاشة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية

رغم أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان كادت أن تؤدي إلى انهيار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، فإن عودة الطرفين إلى طاولة التفاوض تشير إلى إحراز تقدم ملموس. ومع ذلك، فإن استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا متشددًا تحت ضغط شخصيات مقربة من إسرائيل، يقابله انسحاب إيراني رمزي من جلسة التفاوض، يذكر بأن الوقت لا يزال مبكرًا للحديث عن تحول هذا التقدم إلى نتيجة دائمة.

ويبدو أن المباحثات التي تُجرى في سويسرا بوساطة قطر وباكستان قد أرست أسسًا لخارطة طريق تمتد ستين يومًا تمهد لاتفاق أوسع، إلى جانب إنشاء قناة اتصال تهدف إلى منع الحوادث وسوء التقدير في مضيق هرمز، وآلية لخفض التصعيد في لبنان، فضلًا عن تهيئة الظروف لعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران.


ولا شك أن هذه تطورات بالغة الأهمية، غير أن هشاشة المسار تبدأ من هذه النقطة تحديدًا؛ فالمفاوضات لم تعد تدور حول البرنامج النووي الإيراني وحده، بل أصبح مستقبلها مرتبطًا أيضًا بقدرة الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل وحزب الله، على تعطيل هذا المسار الدبلوماسي أو السماح له بالاستمرار.


معادلة التفاوض والسيناريوهات المحتملة


تبدو معالم الصفقة الأساسية واضحة إلى حد كبير. فإيران تطالب برفع العقوبات، واستعادة إمكانية الوصول إلى عائدات النفط، والإفراج عن أصولها المجمدة، وتخفيف الضغوط الناتجة عن الحصار الاقتصادي الأمريكي، إضافة إلى كبح الهجمات الإسرائيلية على لبنان.


في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة، واستئناف عمليات التفتيش النووي، وفرض قيود على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، إلى جانب إيجاد مخرج من حرب إقليمية باهظة الكلفة.


وقد بدأت واشنطن بالفعل بإرسال إشارات إلى إمكانية تقديم تخفيف اقتصادي ملموس، من بينها إعفاءات مؤقتة تتعلق بعقوبات النفط. إلا أن أهم التنازلات الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بنطاق وصول المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية، لا تزال غامضة. وهذا تحديدًا يمثل الثغرة السياسية التي يمكن لإسرائيل استغلالها؛ إذ قد تحقق إيران مكاسب مبكرة، بينما تضطر الولايات المتحدة إلى الانتظار قبل الحصول على نظام رقابة فعلي.


في أفضل السيناريوهات، يمكن أن تتحول فترة الستين يومًا إلى إطار دبلوماسي منضبط. فيعود مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية سريعًا إلى إيران، ويحصلون على إمكانية الوصول إلى المنشآت النووية الحساسة والمتضررة من القصف، ويجري حصر مخزون اليورانيوم المخصب وإخضاعه للرقابة، مع وضع خطة موثوقة لتخفيف نسبة تخصيبه أو نقله إلى خارج البلاد.


وإذا استمر فتح مضيق هرمز وبقيت الجبهة اللبنانية هادئة، فقد تتوافر للمفاوضين فرصة للفصل بين التطورات الميدانية والملف النووي. وفي مثل هذا السيناريو، تستطيع واشنطن الادعاء بأنها نجحت في تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب دبلوماسية، بينما تستقر تدفقات النفط، ويستعيد البرنامج النووي الإيراني قدرًا من الشفافية، وتتراجع احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة.


أما السيناريو الأكثر ترجيحًا فهو أكثر تعقيدًا؛ إذ تستمر المفاوضات، لكن كل خطوة تصبح موضع خلاف. فقد تسمح إيران بعمليات تفتيش محدودة، لكنها ترفض المطالب المتعلقة برقابة أكثر توسعًا. وفي المقابل، تمدد الولايات المتحدة إجراءات التخفيف الاقتصادي الجزئي، مع احتفاظها بإمكانية إعادة تشديد الضغوط لاحقًا.


وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل استهداف مواقع تصنفها على أنها تهديد مباشر تابع لحزب الله في لبنان، بينما ينفذ الحزب بين حين وآخر هجمات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ لإظهار استمرار قدرته العسكرية.


وفي هذه الحالة، لن تنهار المفاوضات بالكامل، لكن من غير المرجح أيضًا أن يتشكل نظام رقابة نووية موثوق. وستكون النتيجة فترة انتظار هادئة نسبيًا بالنسبة لأسواق النفط والمال، لكنها شديدة الهشاشة من ناحية الملف النووي.


أما سيناريو الفشل الكامل، فقد يتحقق إذا دفعت إسرائيل لبنان نحو حرب شاملة. فإذا أسفر هجوم واسع عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو إذا أدى هجوم لحزب الله إلى مقتل جنود أو مدنيين إسرائيليين، فقد تلجأ إسرائيل إلى تصعيد واسع.


وعندئذ قد تعتبر إيران أن الولايات المتحدة فشلت في تنفيذ التفاهمات، فتبطئ تعاونها النووي أو تعلقه. كما سيعود مضيق هرمز إلى دائرة الخطر، وقد ترد إدارة ترامب بفرض عقوبات جديدة أو التلويح بعمل عسكري، وهو ما سيؤدي إلى انهيار مسار التفاوض النووي وعودة المنطقة إلى أجواء الحرب.


العامل اللبناني


تشير هذه المعادلة إلى أن إسرائيل وحزب الله يمثلان أبرز الطرفين القادرين على تعطيل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، إذ إن مصالحهما لا تتطابق بالكامل مع مسار التفاهم بين واشنطن وطهران.


فقد يخشى حزب الله أن يؤدي نجاح الاتفاق إلى إضعاف موقعه داخل لبنان، ولا سيما إذا تحملت الدولة اللبنانية مسؤوليات أمنية أكبر. كما قد يجد نفسه مضطرًا لإثبات لجمهوره ولإسرائيل أنه ما زال قوة عسكرية فاعلة.


أما إسرائيل، فهي ليست مجرد جماعة مسلحة تسعى للحفاظ على وجودها، بل دولة تمتلك عقيدة عسكرية خاصة، ورؤية أمنية مستقلة، وتأثيرًا سياسيًا كبيرًا داخل واشنطن.


ولهذا بدأت بالفعل بالترويج لفكرة أن التفاهم الأمريكي-الإيراني يمنح طهران الوقت والمال والشرعية، بينما يبقي البنية العسكرية لحزب الله على حالها. كما تواصل التأكيد على رفضها لأي ترتيبات ملزمة تخص لبنان، وتمسكها بحرية التحرك العسكري.


وسيبذل بنيامين نتنياهو كل ما في وسعه لإفشال الاتفاق بحجة أنه يعزز موقع إيران؛ سواء عبر تكثيف الهجمات على لبنان، أو معارضة الاتفاق علنًا، أو تسريب معلومات استخباراتية، أو ممارسة الضغوط من خلال حلفائه في الكونغرس الأمريكي، أو تنفيذ عمليات أحادية ضد أهداف مرتبطة بإيران.


وبذلك قد يضع إسرائيلُ واشنطن أمام خيار صعب بين كبح جماح حليفها المقرب أو حماية مسار المفاوضات مع إيران. ومع ذلك، فإذا لم تسمح واشنطن للجبهة اللبنانية بالتحكم في مجمل العملية التفاوضية، فسيكون من الصعب على إسرائيل إفشالها بمفردها.


ما الذي ستكسبه الولايات المتحدة؟


إن التوصل إلى اتفاق نهائي قد يحقق للولايات المتحدة عدة مكاسب مهمة.


أولًا، تقليص احتمالات الانزلاق إلى حرب جديدة في وقت أنهك فيه الرأي العام الأمريكي من الصراعات المستمرة.


ثانيًا، ضمان استمرار فتح مضيق هرمز وتدفق النفط الإيراني، بما يسهم في استقرار أسواق الطاقة.


ثالثًا، استعادة قدر من الشفافية بشأن البرنامج النووي الإيراني بعد فترة طويلة من غياب الرقابة.


رابعًا، منح واشنطن أدوات جديدة للتأثير على إيران، لا تقتصر على العقوبات والتهديدات والضغوط العسكرية، بل تشمل أيضًا استخدام جدول منظم لتخفيف العقوبات كورقة تفاوضية.


وأخيرًا، قد يسهم الاتفاق في إعادة تموضع الولايات المتحدة بوصفها طرفًا يسعى إلى تجاوز دور الداعم العسكري المطلق لإسرائيل، والانخراط بصورة أكبر في إدارة الأزمات الإقليمية عبر الوسائل الدبلوماسية.