علي بيرام أوغلو | يني شفق
الأمور التي لم نتبع أسألتنا عنها، والتي نراها على الطرف الآخر ونتمتم بسخط ما تلبث أن تستقر في عقولنا مع مرور الزمن.
إن "مفهوم الجذر" لدى التصور السياسي الحاكم في تركيا مبني على الهوية والانتماء. هذا المفهوم يجمع من خلال خطوطه العريضة أفكار الشعب المجزأة ليصنع منها مفهوم أمة واحدة. هذا المفهوم يحمل بنية تعترف بالتوترات التاريخية بين الثقافات والأمم، ويحاول من خلال التعبئة الدائمة لإنشاء هوية خاصة تميز علاقة "الدولة-السياسة-الشعب-الإنسان". وبصيغة أخرى، إن التركيز الشديد على مفهوم الانتماء يشكل بحد ذاته نظاماً طبيعياً مغلقاً على نفسه مثله مثل جميع الأنظمة الأبوية الأخرى.
وبطبيعة الحال فإن انغلاق النظام على ذاته يزيده قوة، ويجعل مفهوم "الآخر" مسيطرة في تحديد الهوية.
وهنا نصل إلى النقطة الحساسة.
إن عنصر "الآخر" الأقوى والأكثر ثباتاً من حيث الدين والهوية والعادات هو الغرب.
والتصور الغربي في هذا المفهوم يعتمد على عنصرين يغذيان بعضهما البعض، وهما علاقة الدين بالانتماء، وعلاقة الهوية بالتاريخ.
الاختلاف عن الغرب في الهوية والتأثير يغذي التوجه المشكل لمفهوم "الآخر" من ناحية. ومن ناحية أخرى يشكل الخلفية للذاكرة التاريخية المبينة على تصوير الغرب على أنه تهديد للهوية والوحدة بحسب تجارب المئة إلى المئة وخمسين عاما ً الماضين، والمبينة على التخلص من هذا الخطر وتأثيراته.
يمكن تحديد هذ الذاكرة التاريخية بحسب القيم والهويات وحتى التصورات الشخصية التي نشأت في إطار مرتبط بالتاريخ الممجّد. وبالإضافة الى ذلك فإن التصور عن الماضي وتحويل الماضي إلى ما هو أشبه بالمدينة الفاضلة وتصورات العظمة والقوة المرتبطة بالماضي يعد أهم ما يترتب عن هذه العقلية على الصعيد الشخصي وعلى صعيد الهوية العامة، في إطار من الشعور بالانتماء المترابط مع المشاعر والخبرة الدينية المشتركة محلياً وبين الأمة.
إن تحويل الماضي إلى مدينة فاضلة قد تشكل من خلال المصادر التاريخية لتوقعاتنا وتصوراتنا تجاه الحاضر والمستقبل والرموز والحكايات. وعلى الجانب الآخر، تقوم خارطة الأفكار بدورها في تشكيل الخطط العملية والتفسير المشكل للبنية التحتية لهذه الخطط والأبحاث الذهنية المتوجهة نحو ذلك.
في الحقيقة فإن أسطورة الماضي لم تتوقف عند تشكيل أحد أهم أسباب مشروعية الوجود فحسب بل تعدت ذلك إلى القيام بوظائف الإسناد المادية في هذا البناء. كما أن الأطراف الفاعلة اجتماعياً والرابطين بين الماضي والحاضر في إطار هذه العقلية والمؤمنون بالاستمرارية التاريخية والمنشئون لمشاعر المسؤولية في هذا الإطار يشكلون "سلسلة التفكير".
ان الأحكام والتصورات والتعرفات في هذه السلسة تتشكل بالنسبة للاعبين بناء على الذاكرة المكتوبة واللفظية والرمزية المتوارثة والمتناقلة والتاريخ الخارج تماما عن التجارب المعاصرة والملموسة. وبصيغة أخرى فإن ذلك ينتج عن تصورات عن "الآخر" ومثاله الغرب، وعن "الحقائق" ومثالها حصار فيينا، وعن "المشاكل" مثل المسألة الأرمنية في الشرق الأوسط.
إن هذه العملية تعمل على تقليص المسافة بين الحاضر والماضي إلى أقصى ما يمكن في عقل الإنسان وحماية الأفكار المعنية.
وهذه الدائرة المغلقة هي أفضل ما ينظم الذهنية لدى الشعب.
الدائرة المغلقة التي تسبب التعصب.
العناوين:

