"طاش مكتب" في إسطنبول.. من مقاعدها خرج أدباء وقادة عسكريون
14:21, 10/10/2026, السبت
الأناضول

"طاش مكتب" في إسطنبول.. من مقاعدها خرج أدباء وقادة عسكريون
- شُيدت عام 1869 مدرسةً للرشدية العسكرية في عهد السلطان عبد العزيز، وتحولت عبر العقود إلى مدرسة ابتدائية ثم إعدادية - تعرف المدرسة منذ عقود بين سكان المنطقة باسم "طاش مكتب" أي المدرسة الحجرية - من خريجيها محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني، والقائدان العسكريان البارزان في حرب الاستقلال كاظم قره بكير وفوزي جاقماق - مدير المدرسة أنغين لافجي للأناضول: - المظهر الخارجي للمبنى، على وجه الخصوص، حافظ على ملامحه التاريخية حتى اليوم - المدرسة خرّجت أسماء بارزة تركت بصماتها في تاريخ الأدب والطب والفن والموسيقا والمجال العسكري
على مقربة من مسجد الفاتح في إسطنبول، تواصل مدرسة "طاش مكتب" استقبال الطلاب منذ 157 عامًا، وخرج من مقاعدها أدباء وقادة عسكريون، فيما صمد مبناها العثماني أمام الزلازل بفضل أعمال ترميم وتدعيم متعاقبة.
ويعرف المبنى منذ عقود بين سكان المنطقة باسم "طاش مكتب" (المدرسة الحجرية)، ويضم اليوم مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء.
يقع مبنى المدرسة بالقرب من المدخل المطل على قصر طوب قابي لمسجد الفاتح، ضمن الأراضي الوقفية الخاصة بالسلطان محمد الفاتح، أي ضمن الممتلكات التي خصصها السلطان لخدمة أغراض دينية واجتماعية وفق نظام الوقف العثماني.
مدرسة عسكرية في عهد السلطان عبد العزيزشُيد المبنى عام 1869 في عهد السلطان عبد العزيز، ليكون مدرسة للرشدية العسكرية.
وكانت "الرشدية" في النظام التعليمي العثماني مرحلة تعليمية تقارب في مستواها المرحلة الإعدادية، بينما كانت الرشدية العسكرية مخصصة لإعداد الطلاب لمسار التعليم العسكري.
وجاء افتتاح المدرسة في سياق جهود لإدخال نماذج تعليمية أوروبية إلى المدارس العسكرية العثمانية وافتتاح مؤسسات جديدة لهذا الغرض.
وبدأت المدرسة في العام نفسه نشاطها باسم "رشدية الفاتح العسكرية". وفي العام ذاته، افتُتحت أيضًا مدارس رشدية عسكرية في مناطق قوجه مصطفى باشا، وبشيكطاش، وقباطاش، وأوسكودار في إسطنبول.
ومن أبرز الشواهد التي بقيت من مرحلة تأسيس المدرسة، النقش الموجود فوق بوابة المدخل، الذي يعود تاريخه إلى عام 1869.
ويحمل النقش نصًا يعود إلى عهد السلطان عبد العزيز، يشير إلى افتتاح مدارس عسكرية في إسطنبول وبغداد وسوريا بهدف نشر العلم وضمان مستقبل البلاد.
ويشير النقش الذي نقشه خطاط باسم مستعار هو "حسني" إلى أن هدف هذه المدارس هو "إعداد أفراد مثقفين يحسنون الاستفادة من وقتهم ويقدمون خدماتهم لمختلف فئات المجتمع".
وحتى اليوم يمر طلاب المدرسة من أسفل هذه الكتابة التاريخية في طريقهم إلى فصولهم، كما فعل طلاب الرشدية العسكرية الأوائل قبل أكثر من قرن ونصف.
أسماء ومراحل تعليمية مختلفة
لم تحتفظ المدرسة باسمها الأول، إذ تغير اسمها وتنوع التعليم الذي تقدمه مرات عدة، بالتوازي مع التحولات التي شهدها نظام التعليم في تركيا.
فبعد أن بدأت المدرسة باسم المدرسة الرشدية العسكرية، تحولت إلى "رشدية كوبريللي"، ثم أصبحت مدرسة الفنون للبنات، ورشدية عبد العزيز، ومدرسة الفاتح الثالثة عشرة، ومدرسة الفاتح الابتدائية.
وهكذا، انتقل المبنى الذي شُيد أساسًا للتعليم العسكري إلى استقبال طلاب من أعمار ومراحل تعليمية مختلفة، لكن وظيفته التعليمية بقيت مستمرة داخل الجدران الحجرية نفسها.
ومع رفع مدة التعليم الإلزامي إلى ثمانية أعوام عام 1997، أصبح اسم المؤسسة "مدرسة الفاتح للتعليم الأساسي". ثم في العام الدراسي 2012-2013، تحولت المدرسة إلى "مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء"، وهو اسمها الحالي.
وبذلك، تغيرت هوية المؤسسة التعليمية ومراحلها عبر الزمن، لكن المبنى حافظ على وظيفته الأساسية كمؤسسة للتعليم.
مبنى صمد أمام الزلازل
وشهدت المدرسة على مدار نحو 160 عامًا من وجودها في إسطنبول عددًا من أعمال الترميم والتدعيم، كان أبرزها ما أعقب زلزال عام 1967، الذي ألحق بالمبنى أضرارًا كبيرة.
وأُجريت أعمال ترميم واسعة للمبنى خلال عام واحد، مع الحفاظ على شكله التاريخي.
وفي عام 1982، واجه المبنى خطر الانزلاق الأرضي باتجاه الشارع بسبب أعمال إنشائية جرت في المنطقة.
ولتفادي ذلك، جرى تدعيم أساسات الواجهة المطلة على الطريق باستخدام تقنية الدعائم الأسطوانية، ما ساعد على تأمين المبنى التاريخي والحفاظ عليه.
وقبل نحو 17 عامًا، خضع المبنى مرة أخرى لأعمال تدعيم، مع استمرار العملية التعليمية فيه طوال مراحل الترميم والتدعيم.
**أسماء بارزة تخرجت في المدرسة
وعلى مدى تاريخ المدرسة الممتد من الرشدية العسكرية إلى وضعها الحالي، جلس في مقاعدها طلاب أصبح بعضهم لاحقًا من الأسماء المؤثرة في الأدب والجيش والسياسة والفن والثقافة في تركيا.
ومن بين الأسماء التي تذكرها المدرسة الشاعر التركي محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني التركي، إلى جانب كاظم قره بكير، وفوزي جاقماق، اللذين يعدان من أبرز القادة في الجيش التركي إبان حرب الاستقلال، والأديب والصحفي الشهير رفيق خالد قاراي.
ولا تزال الفصول التاريخية التي تلقى فيها طلاب الرشدية العسكرية دروسهم تستقبل اليوم طلاب مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء.

نسعد بوجودنا في هذا الكنز المعنوي
وفي تصريحات للأناضول قال مدير مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء، أنغين لافجي، إن المدرسة واصلت نشاطها التعليمي على مدى سنوات رغم أعمال الترميم والتدعيم التي خضع لها المبنى التاريخي.
وأوضح لافجي أن المظهر الخارجي للمبنى، على وجه الخصوص، حافظ على ملامحه التاريخية حتى اليوم، مشيرًا إلى إجراء أعمال ترميم من وقت إلى آخر للحفاظ على خصائصه التاريخية.
وأضاف أن العمل في هذه المنطقة التاريخية، التي تضم ضريح السلطان محمد الفاتح ومسجد الفاتح، يحمل بالنسبة إلى العاملين في المدرسة معنى خاصًا.
وتابع: "يسعدنا أن نكون في مثل هذا المكان، وفي مثل هذا الكنز المعنوي. وحتى الأشخاص الذين يأتون من خارج المنطقة يقولون إنهم يشعرون هنا بمعنويات ودوافع مختلفة".
واختتم حديثه قائلا إن المدرسة خرّجت أسماء بارزة تركت بصماتها في تاريخ الأدب والطب والفن والموسيقا والمجال العسكري.