مكتبة الإسكندرية.. قلعة لحماية التاريخ والثقافة والفنون
10:19, 02/10/2026, الجمعة
الأناضول

مكتبة الإسكندرية.. قلعة لحماية التاريخ والثقافة والفنون
- المؤرخ خالد عزب: المكتبة تعد قلعة لحماية التاريخ والتراث والثقافة والفنون ومن أهم مؤسسات حفظ التراث - كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر: ليست مجرد مكتبة لجمع الكتب بل معهد علمي وأكاديمي وجامعة ثقافية
بإطلالة على ساحل البحر المتوسط شمالي مصر تظهر مكتبة الإسكندرية كـ"قلعة حضارية" تحمي التاريخ والثقافة والتراث.
ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2002 وفي الموقع الذي شهد ميلاد واحتراق مكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت أهم مراكز العلم والثقافة بالعالم في العصر البطلمي، افتتحت المكتبة في ثوبها الجديد لتتحول إلى مجمع ثقافي وعلمي لا يقتصر على جمع الكتب، بل يمتد إلى حفظ التراث والفنون وإنتاج المعرفة.
** إحياء التاريخ
وبحسب معلومات رسمية نشرتها هيئة الاستعلامات المصرية، أقيمت مكتبة الإسكندرية الجديدة في موقع المكتبة القديمة، في إطار مشروع لإحياء ذكرى واحدة من أشهر مكتبات التاريخ.
وطرحت فكرة إحياء المكتبة في أواخر ثمانينات القرن الماضي، عندما دعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" إلى المساهمة في المشروع، قبل أن ينشئ الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية.
وجاء التصميم المعماري للمكتبة عبقريا وفريدا؛ إذ يتخذ المبنى شكل أسطوانة مائلة يغوص نحو نصفها (4 طوابق) تحت الأرض لحماية المقتنيات النفيسة من العوامل البيئية الخارجية، بينما ترتفع 6 طوابق أخرى فوق السطح.
وتزدان الجدران الخارجية للمكتبة بأحجار الغرانيت المنحوتة بأحرف من مختلف أبجديات العالم، فيما أنشئت بالقرب منها قبة سماوية ومتحف علمي.
ويزور مكتبة الإسكندرية الجديدة التي تقدر مساحتها بنحو 80 ألف متر مربع، مليون ونصف مليون زائر في العام.
وتصف مكتبة الإسكندرية نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها ليست مجرد مكتبة، وإنما مجمع ثقافي يضم، بخلاف عدد من المكتبات وقاعات المطالعة، 4 متاحف؛ لآثار، ولمخطوطات، وللرئيس الراحل نور السادات، ولتاريخ العلوم، بخلاف مركز القبة السماوية العلمي.
كما تضم المكتبة قاعة استكشاف لتعريف الأطفال بالعلوم، و12 مركزا للبحث الأكاديمي، و16 معرضا دائما، بخلاف 4 قاعات للمعارض الفنية المؤقتة، ومركزا للمؤتمرات يتسع لآلاف الأشخاص.
وأنشئت المكتبة القديمة مطلع القرن الثالث قبل الميلاد بقرار من بطليموس الأول الذي تسلم حكم مصر من الإسكندر الأكبر، ثم ازدهرت في عهد بطليموس الثاني "فيلادلفوس" (285–246 ق.م)، الذي وضع نظامها واستقدم العلماء وجمع الكتب من مصادر شتى.
وبلغت مقتنياتها نحو 700 ألف مجلد، بينها أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو، ودرس فيها إقليدس وأرشميدس وإيراتوثنيس، أول من حسب قطر الأرض، وفق معلومات مصرية رسمية.
غير أن المكتبة تراجعت تدريجيا، واحترقت في ظروف غامضة بالعام 48 ق.م في أثناء حملة يوليوس قيصر على الإسكندرية، ثم اندثرت تماما نحو عام 400 ميلادية.
** قلعة للتراث والثقافة والفنون
في حديثه للأناضول، يقول المؤرخ المصري خالد عزب، إن مكتبة الإسكندرية تعد بالفعل قلعة لحماية التاريخ والتراث والثقافة والفنون، وتعد أهم مؤسسات حفظ التراث عربيا بأشكاله كافة، حتى التراث غير المادي، فقد وثقت المكتبة الأغاني والموسيقى والفن التشكيلي في مشروعات رقمية.
ويؤكد عزب أن مكتبة الإسكندرية إحدى المؤسسات العلمية والثقافية التي قامت على إنتاج المعرفة وبثها عبر وسائط متعددة منها الورقي والرقمي، وسعت لذلك عبر عدد من المشروعات والبرامج البحثية المهمة مثل "أرشيف الإنترنت"، وموقع "ذاكرة مصر المعاصرة" الذي يضم وثائق وصورا تؤرخ للبلاد في القرنين 19 و20.
ويضيف: "وفي مجال النقوش والخطوط بنت المكتبة مركزا بحثيا قدم دراسات حول تاريخ الكتابة في العالم مع أرشيفات رقمية للنقوش الأثرية ودراسات توثق الخط العربي وتطوره".
ويشير إلى حرص مكتبة الإسكندرية على أن تكون مركزا للفنون، ما جعلها تشكل أوركسترا خاصا بها تشارك في حفلات داخل مصر وخارجها، إضافة إلى اقتناء لوحات فن تشكيلي لفنانين عرب وعالميين، تزين ممراتها وردهاتها.
** هوية عبقرية
بدوره يرى كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر أن المكتبة عبر تاريخها القديم والحديث لا تعد مجرد مكتبة لجمع الكتب والقراءة كما يعتقد البعض، بل هي معهد علمي وأكاديمي وجامعة ثقافية شاملة، وكانت محط أنظار ومقصد العلماء من مختلف أنحاء العالم.
ويوضح شاكر في حديث للأناضول أن المكتبة القديمة شهدت تصحيح التقويم المصري القديم، وضمت أقساما متخصصة في العلوم كالطب والجغرافيا والفنون، بالإضافة إلى متحف علمي.
ويضيف أن أي سفينة تعبر المدينة كان يفرض عليها نسخ واستنساخ ما تحمله من كتب ومجلدات قبل السماح لها بالمغادرة، مما منح المكتبة قيمة تاريخية عظيمة بعدد مجلداتها ونظرياتها والعلماء الذين تخرجوا منها.
ويشير إلى أن اتجاه الدولة المصرية في ثمانينات القرن الماضي لإعادة إحياء المكتبة في موقعها الأصلي وبنفس مقوماتها التاريخية، جاء ليعيد لها دورها الريادي كقلعة للتاريخ والفنون والثقافة.
ويضيف أن حفل افتتاح المكتبة الحديثة الذي حضره مسؤولون كبار ورؤساء، بينهم الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، كان بمثابة "عرس وطني" يشبه إلى حد ما الاحتفالية الأسطورية لافتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.