أقواس وسدود إسطنبول.. ذاكرة 19 قرنا تحكيها المياه

15:08, 25/08/2026, الثلاثاءت: تحديث: 15:10, 25/08/2026, الثلاثاء
الأناضول
أقواس وسدود إسطنبول.. ذاكرة 19 قرنا تحكيها المياه
أقواس وسدود إسطنبول.. ذاكرة 19 قرنا تحكيها المياه

تستعرض شبكة المياه التاريخية في إسطنبول قصة منظومة هندسية امتدت 19 قرنا، من العصر الروماني مرورا بالعهدين البيزنطي والعثماني، تحكيها السدود والأقواس المائية شاهدة على تطور المدينة.

تحكي شبكة المياه التاريخية في إسطنبول قصة منظومة هندسية امتدت نحو 19 قرنا، من العصر الروماني مرورا بالعهدين البيزنطي والعثماني، ولا تزال سدودها وأقواسها المائية شاهدة على تطور المدينة وعلاقتها بالماء. بدأت حكاية المدينة مع المياه في العصر الروماني مع إنشاء أولى شبكات النقل، وتطورت عبر القرون حتى بلغت أوجها في العهد العثماني.

وبحلول القرن الرابع، ازدادت حاجة إسطنبول إلى المياه، فنُقلت من المصادر البعيدة إلى المدينة عبر خطوط نقل جديدة في عهد الإمبراطور فالنس. وحافظ العثمانيون على البنية التحتية التي أنشأها الرومان والبيزنطيون بعد فتح إسطنبول، إذ عمل السلطان محمد الفاتح على إصلاح مجاري المياه، بينما وصلت الشبكة إلى أقصى تطورها في عهد السلطان سليمان القانوني.

يُعد نظام مياه قرقجشمه، الذي أنشأه المعمار سنان، أبرز منجزات البنية التحتية المائية في إسطنبول، إذ يمتد من غابات بلغراد إلى قلب المدينة عبر خط نقل يبلغ طوله نحو 55 كيلومترًا. ويضم النظام 33 قوسًا مائيًا، وأقنية تمتد على مسافات طويلة، وآبار مراقبة، وموازين للمياه، لتشكل شبكة هندسية مترابطة. وقال الأكاديمي بجامعة إسطنبول مدنيت، قادر بكتاش، للأناضول: "المياه أدت دورًا حاسمًا عبر التاريخ في قيام المدن الكبرى، وإسطنبول امتلكت بنية تحتية مائية ضخمة".

وأوضح بكتاش المختص بتاريخ الفن، أن جذور المنظومة تعود إلى العصر الروماني، مشيرًا إلى أن حضارات مختلفة طورت البنية التحتية نفسها. وأشار إلى أن "أنشأها المعمار سنان، وكانت أكبر منظومة للمياه في إسطنبول"، مؤكدًا أنها كانت نظامًا ضخمًا ينقل المياه من غابات بلغراد إلى المدينة. وأضاف: "يبلغ ارتفاع قوس ماغلوفا نحو 36 مترًا، وطوله 250 مترًا، ويعد بهيكله المؤلف من طابقين أحد أهم الأعمال في العمارة المائية العالمية".

بعد مغادرة السدود في غابات بلغراد، كانت المياه تتقدم عبر مسارين رئيسيين، شرقي وغربي، قبل أن تلتقي جنوب كمربورغاز في الحوض الرئيسي (باش حوض) على عمق نحو 14 مترًا. ومن هناك، كانت تدخل خط النقل لتعبر قوس ماغلوفا، ثم قوس بوزدوغان، أحد رموز المدينة منذ 16 قرنًا، وصولا إلى مقسم "تقسيم" حيث تُقسَّم المياه إلى مسارات عدة. وفي هذا السياق، لفت بكتاش إلى أن "المياه في النظام لم تكن تُنقل عبر الأقواس فقط، بل كانت تُوزع بصورة منظمة من خلال الأنابيب الفخارية تحت الأرض".

ويشكل مقسم تقسيم، حيث كانت المياه الواصلة تُوجَّه إلى النوافير ونقاط التوزيع، محطة محورية في المنظومة، وهو ما يفسر أصل تسمية ساحة "تقسيم" الشهيرة. وأكد الأكاديمي أن "لم تكن مجرد مياه للشرب، بل كانت في صميم الحياة الحضرية والاجتماعية"، مشددًا على ضرورة إعادة إحياء النوافير التاريخية التي حملت اسم المنظومة.

مع مرور الوقت، تحولت السدود والأقواس التاريخية من منشآت وظيفية إلى إرث ثقافي، فيما تولت السدود الحديثة تلبية احتياجات المدينة المتزايدة. واقترح بكتاش "إعداد لوحات تعريفية تشرح وظائف هذه المنشآت وتاريخها، ما يسهم في زيادة الوعي بمنظومة المياه التاريخية"، داعيًا إلى "إدماج المنظومة في السياحة الثقافية وإنشاء مسار سياحي خاص".

وشدد على أن ملايين الأشخاص يمرون يوميًا بجوار هذه المنشآت من دون إدراك أنها أجزاء من منظومة واحدة، مشيرًا إلى إمكانية قراءة تطور إسطنبول عبر تاريخ مجاري مياهها. وختم بالقول: "ينبغي إعادة إحياء هذه النوافير بما يتوافق مع وظيفتها الأصلية، أو على الأقل بصورة رمزية".