"قلعة إيتشي".. قلب أنطاليا النابض منذ ألفي عام
10:09, 09/09/2026, الأربعاء
الأناضول

"قلعة إيتشي".. قلب أنطاليا النابض منذ ألفي عام
تحتضن أزقة "قلعة إيتشي" الضيقة في أنطاليا شواهدَ ألفي عام من الحضارات المتعاقبة، حيث تتداخل المعالم الأثرية مع الحياة اليومية في واحدة من أبرز الوجهات السياحية التركية.
جذور تاريخية تمتد ألفي عام
تتجذّر جذور "قلعة إيتشي" في قلب أنطاليا جنوبي تركيا، حيث تحفظ أزقتها الضيقة ذاكرةً حيةً تمتد لأكثر من ألفي عام من الحضارات المتعاقبة. يعود تاريخ المنطقة إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، عندما حوّل ملك برغامون أتالوس الثاني المكان إلى مدينة ميناء استراتيجية، فتوالدت عليها بعد ذلك حضارات روما وبيزنطة والسلاجقة والعثمانيين لتترك بصماتها في نسيج المكان.

ومنذ عام 1972، أُعلنت المنطقة موقعاً أثرياً محمياً ضمن إطار الحفاظ على هويتها التاريخية الفريدة. وتحتضن القلعة اليوم 85 مبنىً أثرياً، وستة مساجد، وثلاث مدارس دينية، وأربعة أضرحة، وخمس حمامات، بالإضافة إلى 56 برجاً و456 نموذجاً من العمارة المدنية التقليدية. وتشكل هذه المباني مجتمعة شاهداً مادياً على تنوع العصور التي مرت بالمدينة وتعاقبت عليها.
شواهد حضارية متعاقبة
تتحول الجولة داخل أسوار القلعة إلى رحلة عبر الزمن، حيث تنتشر المعالم الأثرية على امتداد شوارعها المنحدرة باتجاه البحر المتوسط. وتبرز المئذنة المخددة كأحد أبرز رموز أنطاليا والمعالم الإسلامية الأولى في المدينة، وهي مدرجة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لمنظمة "يونسكو". ويتوسط برج الساعة المشيّد فوق أسوار العصر الروماني المدخل الرئيسي للمنطقة، مزيّناً بوابة العبور إلى الماضي.

وفي أرجاء المكان، تتوالى الشواهد التاريخية بدءاً من مدرسة أنطاليا المولوية التي شيّدها السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الأول، وصولاً إلى مسجد شهزاده قورقوت المعروف بـ"المئذنة المقطوعة" والذي تحوّل إلى مسجد في العهد العثماني. وعند المدخل الغربي تقف بوابة هادريان شاهدةً على زيارة الإمبراطور الروماني للمدينة، فيما يستقر قرب الساحل قلعة خضرلق ومرسى اليخوت داخل الميناء الطبيعي شبه الدائري.
حيوية المكان وإقبال السياح
لم يتحول هذا الإرث التاريخي العريق إلى مجرد شواهد أثرية صامتة، بل ظلت الحياة تخترق أزقة القلعة بألوانها المعاصرة، حيث تزدان الشوارع بأزهار الجهنمية وتنتشر المتاجر الصغيرة والمطاعم والفنادق بين المنازل التاريخية المأهولة. ويستقبل الموقع نحو 40 ألف زائر يومياً، بحسب بيانات قطاع السياحة المحلي، مما يجعله ذاكرة حية تتنفس عبر تفاعل السكان والزوار على حد سواء. وتجمع هذه الحيوية بين وظيفة المكان السكنية والتجارية ودوره كوجهة سياحية رائدة.
ويقول رئيس اتحاد أصحاب الفنادق ودور الضيافة السياحية في أنطاليا ألب أوزال للأناضول، إن المنطقة تشكل مدينة تاريخية ظلت قائمة لأكثر من ألفي عام، حيث تتداخل في كل زاوية منها آثار الماضي مع مظاهر الحياة الحديثة. وأضاف: "يمكنكم هنا رؤية آثار سلسلة حضارية تمتد لأكثر من ألفي عام، يمكنكم رؤية العهد العثماني والسلجوقي والإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلى جانب الآثار العائدة إلى العصور القديمة".
رؤية المسؤولين ومستقبل المنطقة
ويثبت الإقبال المتزايد على المكان مكانته كوجهة أولى لزوار المدينة، إذ تشير استطلاعات المغادرين عبر مطار أنطاليا إلى تصدر القلعة قائمة المواقع التي تم زيارتها. ويشير والي أنطاليا خلوصي شاهين إلى أن الموقع يحمل قيمة رمزية عميقة لدى السكان المحليين قبل الزوار، قائلاً: "قلعة إيتشي هي أكثر المناطق التي تستقطب زوار أنطاليا، وهي بالفعل علامتها المميزة، كما أنها مكان يحمل الكثير من الحنين والرومانسية بالنسبة لسكان أنطاليا". ويؤكد المسؤول التركي أن التجوال في أزقتها يشبه الانتقال بين مشاهد سينمائية متنوعة، نظراً لتباين المشاهد من زاوية إلى أخرى.

ويشبّه شاهين تجوال الزائرين بين أزقتها بالانتقال بين مشاهد سينمائية متنوعة، مؤكداً أن السلطات تعمل بالتعاون مع أصحاب الفنادق على حماية المنطقة وتطوير البنية التحتية فيها. ويستبق والي أنطاليا المستقبل بالقول: "بعد 4 أو 5 أعوام سترون أن قيمة أي منشأة في قلعة إيتشي قد وصلت إلى مستويات أعلى بكثير مما هي عليه اليوم، فهي أغلى وأثمن نقطة في أنطاليا".
تاريخ حي لم يتحول إلى أطلال
وعلى عكس العديد من المواقع الأثرية التي تحولت إلى شواهد صامتة على ماضٍ سحيق، ظلت "قلعة إيتشي" تؤدي وظيفتها كحي سكني وتجاري نشط ضمن إطارها التاريخي. وما تزال المنازل العريقة مأهولة بالسكان، بينما تفتح المتاجر والمطاعم أبوابها يومياً لآلاف الزوار الذين تقودهم الأزقة نحو مرسى اليخوت والشواطئ المحيطة.
ويذكر أن السلطات المحلية أدرجت المنطقة ضمن خطط التطوير السياحي المستدام، بهدف الحفاظ على طابعها التاريخي وسط النمو المتزايد لقطاع الضيافة في أنطاليا، التي تستقبل ملايين السياح سنوياً من مختلف بلدان العالم.