رفع الرسوم الأمريكية.. دوافع سياسية أم احترازات اقتصادية

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توظيف الرسوم الجمركية أداة ضغط سياسي أكثر من كونها حماية اقتصادية بحتة، وسط نتائج محدودة على العجز التجاري وتحديات متصاعدة في احتواء النفوذ الصيني
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توظيف الرسوم الجمركية أداة رئيسية في سياساته الخارجية والتجارية، سواء لحماية القطاعات الصناعية المحلية أو للضغط على المنافسين الدوليين، في توجه أسهم بإعادة رسم مسارات التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة.
ورغم اتساع نطاق هذه السياسة، تشير البيانات الرسمية إلى أن نتائجها الاقتصادية ما تزال محدودة، إذ تراجع العجز التجاري الأمريكي خلال العام 2025 بنسبة 0.2 بالمئة فقط إلى 901.5 مليار دولار مقارنة بـ903.5 مليارات في 2024.
وقضت المحكمة العليا الأمريكية، في 20 فبراير/ شباط 2026، بأن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لا يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية، غير أن ترامب أعلن في اليوم نفسه فرض رسوم عالمية مؤقتة بنسبة 10 بالمئة استنادا إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974.
واقترح مكتب الممثل التجاري الأمريكي، في 3 يونيو 2026، فرض رسوم إضافية تراوح بين 10 و12.5 بالمئة على واردات من 60 اقتصادا، بدعوى "الإخفاق في منع استيراد سلع منتجة عبر العمل القسري".
ورفضت الصين هذا المقترح، معتبرة أن استخدام الرسوم الجمركية بهذا الشكل يمثل "أداة للضغط السياسي ويعكس توجها أحاديا وحمائيا".
يرى الخبير الاقتصادي المغربي المهدي فقير أن الرسوم الجمركية باتت تمثل "ورقة ضغط سياسية أكثر من كونها أداة اقتصادية بحتة".
وقال للأناضول إن قرارات ترامب "لا تستند دائما إلى اعتبارات اقتصادية، بل ترتبط أحيانا بحسابات النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوى العالمية، فضلا عن الضغط على الحلفاء والشركاء في سياق المنافسة مع الصين".
وأكد فقير أن هذه السياسات "لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج إيجابية، وقد تترتب عليها آثار عكسية على بعض الاقتصادات، بما في ذلك اقتصادات حليفة للولايات المتحدة".
وأشار إلى أن عددا من الرسوم فُرض على دول لا يمثل حجم التبادل التجاري معها وزنا كبيرا في الاقتصاد الأمريكي، ما يعزز فرضية ارتباط القرارات باعتبارات سياسية وجيوسياسية بحتة.
يدافع ترامب عن سياسة رفع الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لتقليص العجز التجاري وحماية قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات، فضلا عن زيادة الإيرادات الجمركية.
وسجلت الولايات المتحدة خلال 2025 عجزا في تجارة السلع بلغ 1.24 تريليون دولار، قابله فائض قدره 339 مليار دولار في تجارة الخدمات، ما أدى إلى عجز تجاري إجمالي بلغ 901.5 مليار دولار.
وتراجع العجز التجاري مع الصين من 295 مليار دولار في 2024 إلى 202 مليار في 2025، كما انخفض مع الاتحاد الأوروبي من 235 مليار دولار إلى 218 مليارا، ومع اليابان من 68 مليار دولار إلى 63 مليارا.
في المقابل، ارتفع العجز مع تايلاند من 45 مليار دولار إلى 71 مليارا، ومع ماليزيا من 24 مليار دولار إلى 30 مليارا.
ويرى فقير أن هذه الأرقام تؤكد أن الرسوم الجمركية "ليست مرتبطة حصرا بالعجز التجاري، بل تندرج ضمن استراتيجية أوسع تتعلق بحرب النفوذ العالمي".
وأضاف أن "الإدارة الأمريكية لا تبني مواقفها على أرقام الميزان التجاري فقط، بل تأخذ في الاعتبار اعتبارات تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى أبعاد استراتيجية أوسع".
يعتقد الخبير المغربي أن الحد من النفوذ الصيني عبر الرسوم الجمركية يظل "مهمة معقدة"، في ظل النجاحات التي حققتها بكين خلال العقود الماضية عبر الانفتاح التجاري والاستثماري.
ويشير إلى أن الصين تحولت إلى "قوة اقتصادية عالمية مؤثرة بفضل اندماجها في الاقتصاد الدولي، وهو المسار ذاته الذي استفادت منه دول أخرى مثل تركيا وعدد من الدول الأوروبية".
وبلغ إجمالي التجارة الخارجية للصين خلال 2025 نحو 45 تريليون يوان (6.4 تريليونات دولار)، بما يعادل نحو 18.5 بالمئة من إجمالي التجارة العالمية، ما عزز موقعها كأكبر دولة متاجرة بالسلع في العالم.
ويدعو فقير، في مواجهة تداعيات الحرب التجارية، الدول العربية والإسلامية والإفريقية إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وتقليص التبعية للأسواق الكبرى.
وقال إن "توسيع الأسواق المشتركة وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل يمثل أحد المسارات الممكنة لمواجهة آثار التوترات التجارية الدولية"، مؤكدا أن تكتل "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية يمثل نموذجا ناجحا في رفع معدلات النمو وتحسين القدرة التنافسية.
يذكر أن تكتل "ميركوسور" تأسس عام 1991 بهدف تحقيق التكامل الاقتصادي الحر وتسهيل حركة البضائع والأشخاص ورؤوس الأموال بين دول القارة الجنوبية.
التعليقات التي تشاركونها على موقعنا تُعد مصدرًا قيّمًا للمستخدمين الآخرين. يرجى التحلي بالاحترام تجاه الآراء المختلفة وباقي المستخدمين. يُرجى تجنب استخدام أي عبارات فظة أو هجومية أو مُهينة أو تمييزية.