"ابتسامة أمام مدرسة مدمرة في غزة".. حين يصبح الخراب مشهدًا للتباهي

17:46, 14/10/2026, الأربعاء
الأناضول
"ابتسامة أمام مدرسة مدمرة في غزة".. حين يصبح الخراب مشهدًا للتباهي
"ابتسامة أمام مدرسة مدمرة في غزة".. حين يصبح الخراب مشهدًا للتباهي

ـ صورة على إنستغرام تُظهر البريطاني جوناثان بورمان مبتسمًا أمام مدرسة الفارابي المحترقة في خان يونس. ـ خدم بورمان في اللواء 55 النخبوي والكتيبة 66، اللذين شاركا في عمليات تدمير واسعة جنوب قطاع غزة. ـ حددت منظمة "إيروارز" موقع المدرسة بدقة، مؤكدة أنها سُوّيت بالأرض بعد مغادرة الوحدة الإسرائيلية. ـ مسعف سابق يشهد بأن الجنود أُمروا بحرق المنازل في منطقة "بلا أي قواعد". ـ الجيش الإسرائيلي أخفق في تبرير إحراق المدرسة، مستشهدًا بمقطع فيديو صُوّر في موقع مختلف. ـ محامٍ وعضو سابق في لجنة تحقيق أممية يؤكد أن الأدلة كافية لإجراء مزيد من التحقيقات والمحاكمة عند الاقتضاء.

كشف تحقيق استقصائي أجرته منصة "ديكلاسيفد يو كيه" البريطانية أدلة دامغة على تورط مواطن بريطاني-إسرائيلي في جرائم حرب واضحة المعالم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وظهر جوناثان بورمان، مزدوج الجنسية، في صورة نشرها على حسابه في إنستغرام، وهو يبتسم أمام مدرسة الفارابي المحترقة في منطقة بني سهيلا شرق خان يونس، جنوبي قطاع غزة.

واعتمد التحقيق، الذي نُشر الثلاثاء، على شهادات جنود إسرائيليين سابقين، وتحليل جغرافي دقيق، وصور أقمار صناعية، ووثّق كيف حولت وحدة نخبوية إسرائيلية مدارس ومنازل مدنيين إلى ركام، وسط مطالب بمحاسبة الحكومة البريطانية مواطنيها المتورطين في هذه الجرائم.

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلفت الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة 74 ألفًا و389 قتيلًا ونحو 175 ألفًا و423 مصابًا حتى 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة بالقطاع، فضلًا عن دمار هائل طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.

ومع تزايد الضغوط على الحكومة البريطانية للتحقيق مع حاملي الجنسية المزدوجة الذين قاتلوا في غزة، لا يزال بورمان دون محاسبة حتى اليوم، فيما يؤكد خبراء حقوقيون أمميون أن الأدلة كافية لفتح تحقيق جنائي ضده، وفق تحقيق المنصة البريطانية.

وفي أبريل/نيسان 2025، قدم قانونيون بريطانيون إلى شرطة العاصمة لندن أدلة تتعلق بعشرة مواطنين بريطانيين خدموا في الجيش الإسرائيلي، للاشتباه في ارتكابهم جرائم حرب في قطاع غزة، وفق ما أوردته وكالة الأناضول آنذاك.

وقال المحامي المتخصص في حقوق الإنسان مايكل مانسفيلد حينها إن على كل من يرغب في الانضمام إلى جيش أن يسأل نفسه عما إذا كان ما يقوم به ذلك الجيش مشروعًا وقانونيًا.

صورة ابتسامة تكشف الجريمة

بدأ التحقيق بصورة صادمة نشرها بورمان على حسابه في إنستغرام.

وقال الصحفي حمزة يوسف، أحد القائمين على التحقيق: "نعم، هذا مواطن بريطاني يُدعى جوناثان بورمان، خدم في الجيش الإسرائيلي، وهذه الصورة له وهو يقف أمام مدرسة في غزة تعرضت بوضوح لهجوم عنيف، وتشتعل فيها النيران وتحترق".

وأضاف: "نشر هذه الصورة على حسابه الخاص في إنستغرام، وهي تظهر مواطنًا بريطانيًا متورطًا بوضوح تام في تدمير غزة".

ووصف يوسف، مقدم التحقيق، المشهد قائلًا: "يُظهر المشهد مواطنًا بريطانيًا متورطًا بشكل واضح للغاية في تدمير غزة. انظر إلى مظهره، انظر إلى ابتساماته".

وظهرت في التحقيق صور أخرى لبورمان، ارتدى خلالها وشاح نادي مانشستر يونايتد وسط الركام، كما ظهر في مشاهد جماعية مع جنود يضحكون ويتناولون وجبات خفيفة بالزي العسكري، في أجواء وصفها التحقيق بأنها "مجرد تسلية وألعاب، مجرد ضحك وتسلية".

رأس الرمح

ويسرد التحقيق تفاصيل عن حياة الجندي البريطاني-الإسرائيلي، موضحًا أنه انتقل إلى إسرائيل بعد دراسته في مدرسة بمدينة مانشستر، ثم تجند في جيشها، واستُدعي لاحقًا بصفته جندي احتياط، وخدم في اللواء 55 المعروف باسم "رأس الرمح"، وهو وحدة نخبوية من المظليين.

ويؤكد التحقيق أنه انتمى أيضًا إلى الكتيبة 66، السرية "بي". وتقول مؤسسة "هنري" الحقوقية إنها واثقة من انتمائه إلى هذه الكتيبة التي شاركت في عمليات تدمير واسعة.

ولا تقتصر الملاحقات القضائية خارج إسرائيل على بريطانيا، إذ قُدمت عشرات الشكاوى في دول مختلفة ضد جنود إسرائيليين على خلفية جرائم ارتُكبت في غزة، فيما طالت الملاحقات بصورة خاصة جنودًا من مزدوجي الجنسية، وفق التحقيق.

الفارابي سُوّيت بالأرض

وبالتعاون مع منظمة "إيروارز"، حدد التحقيق الاستقصائي بدقة موقع الدمار الظاهر في الصورة.

و"إيروارز" منظمة بريطانية غير ربحية متخصصة في الشفافية والرصد المستقل للأضرار التي تلحق بالمدنيين جراء النزاعات المسلحة.

ووفق التحقيق، زودت المنظمة القائمين عليه بصورتين أمكن التحقق من موقعهما عبر مقارنة المعالم الظاهرة فيهما بلقطات وصور الأقمار الصناعية، وتبين أنهما تعودان إلى مدرسة معاذ بن جبل/الشرق فارابي في بني سهيلا، شرق خان يونس.

وبعد مقارنة الصور بلقطات الأقمار الصناعية، أكدت المنظمة أن الموقع هو مدرسة معاذ بن جبل/الشرق فارابي في بني سهيلا، شرق خان يونس.

ويوثق التحقيق التحول المروع الذي شهدته المدرسة، قائلًا: "هذه هي المدرسة قبل وصولهم (الجنود الإسرائيليين)، وهنا بعد مغادرتهم، وأخيرًا أصبحت هذه المدرسة المحلية، التي كانت مستخدمة بكثرة، مسوّاة بالأرض تمامًا، وأصبحت المنطقة التي كانت تخدمها عبارة عن دمار شامل ومطلق".

ويأتي تدمير المدرسة في سياق دمار واسع لحق بالقطاع التعليمي في غزة؛ إذ قال مندوب فلسطين الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، عادل نعيم داود عطية، للأناضول في سبتمبر/أيلول 2026، إن 97 بالمئة من مدارس القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، وإن نحو 800 ألف طالب في سن التعليم تضرروا من الحرب، مقدرًا كلفة إعادة بناء المدارس والجامعات بنحو 5 مليارات دولار.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، عاد نحو 541 ألف طالب في غزة إلى الدراسة عبر قرابة 700 موقع للتعليم الوجاهي والإلكتروني، وسط دمار طال معظم المباني المدرسية ونقص حاد في المستلزمات التعليمية، وفق ما نقلته الأناضول عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية.

ليس هناك أي عواقب

أدلى يوفال غرين، المسعف السابق في الكتيبة 66، بشهادة صادمة ضمن التحقيق الاستقصائي للمنصة البريطانية.

وقال غرين، لدى مشاهدته صور بورمان: "شعرت بالسوء الشديد، فهذا يعيدني حقًا إلى واحدة من أسوأ الفترات في حياتي. هذا الدمار يصعب جدًا رؤيته، انظر إليهم، انظر إلى ابتساماتهم".

وأضاف: "هذه هي المرة الأولى التي يحرقون فيها مبنى، بالنسبة إليهم هي نوع من التجربة المجنونة، ولا يفكرون في العواقب لأنه مكان بلا قواعد".

ووصف الوضع قائلًا: "منطقة حرب بلا قواعد، نهاية العالم المطلقة. لذا يمكنك الذهاب وفعل ما تريد، ويمكنك سرقة ما تريد من تلك المنازل، ويمكنك حرق تلك المنازل، ولن تكون هناك أي عواقب على الإطلاق".

وقال غرين إنه رفض المشاركة في هذه الممارسات، مضيفًا: "ذهبت إليه وقلت له: إذا كنا سنحرق هذه المنازل، فسأغادر، لست مستعدًا لأن أكون جزءًا من هذا".

الجيش الإسرائيلي يفشل في التبرير

ورد الجيش الإسرائيلي على معدّي التحقيق ببيان ادعى فيه القضاء على "خلية إرهابية" داخل مدرسة، وأرفقه بمقطع فيديو، لكن التحقيق خلص إلى أن الفيديو صُوّر في مدرسة مختلفة تبعد نحو كيلومترين عن الموقع المعني.

وعلق أحد المحققين قائلًا: "حتى لو عثرت على أسلحة في مدرسة، فهل يعني ذلك أنه يمكنك ببساطة إحراق المدرسة بأكملها؟ هل هذا متناسب؟ أنا شخصيًا لا أعتقد ذلك. هل من المفيد إحراق مدرسة على الإطلاق؟".

دعوة للمحاسبة.. وبريطانيا تتهرب

وعرض التحقيق نتائجه على كريس سيدوتي، المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان وعضو لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، الذي أكد أن المنهجية التي اتبعها التحقيق الاستقصائي هي نفسها التي تُستخدم في إجراء التحقيقات الأممية.

وأضاف: "تفاخر هؤلاء الجنود أمر لا يُصدق حقًا"، مشددًا على أن "الأدلة كافية لدعم إجراء مزيد من التحقيق والمحاكمة حيثما كان ذلك مبررًا".

وكانت شرطة العاصمة البريطانية قد بدأت، منذ يناير/كانون الثاني 2024، استقبال الإحالات المتعلقة بجرائم حرب محتملة في قطاع غزة، في إطار دعم التحقيق الذي تجريه المحكمة الجنائية الدولية.

ويختتم التحقيق الاستقصائي بتساؤل: "بما أن الادعاء الإسرائيلي لم يحقق معه (الجندي)، فهل ستقوم وحدة جرائم الحرب التابعة لشرطة ميتروبوليتان بإضافة اسمه إلى تحقيقها بشأن المواطنين البريطانيين الذين قاتلوا في غزة؟ وكم عدد الحالات الأخرى المماثلة لحالة بورمان التي تنتظر من يكتشفها؟".

وبذلك، يضع التحقيق الاستقصائي البريطاني لندن أمام مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بشأن مواطنيها الذين يُشتبه في تورطهم بجرائم ارتُكبت بحق الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر.