"البشرف".. حين يسبق الاحترام المصارعة في قرقبينار التركية
13:44, 06/07/2026, الاثنينت: تحديث: 13:46, 06/07/2026, الاثنين
الأناضول

"البشرف".. حين يسبق الاحترام المصارعة في قرقبينار التركية
تجسد بطولة قرقبينار للمصارعة الزيتية تراثا عريقا يمتد لستة قرون، حيث يحفل طقس "البشرف" بقيم الاحترام والشهامة قبل النزال، مؤكدا أن القوة لا تغني عن الأخلاق في رياضة الأبطال.
انطلقت في مدينة أدرنة التركية منافسات النسخة الـ665 من بطولة قرقبينار التاريخية للمصارعة الزيتية، وهي الأقدم في العالم على الإطلاق، إذ تعود جذورها إلى أكثر من ستة قرون من المنافسات المتصلة. وتحتضن ساحة "سراييجي"، الأحد، ختام فعاليات هذه البطولة التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2010 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
ويشهد المهرجان الرياضي حضور آلاف الزوار الذين يتوافدون لمشاهدة النزالات، فيما يتنافس المصارعون وهو يتشحون بسراويل الجلد التقليدية المعروفة بـ"كيسبت"، ومدهونين بالزيت، في رياضة تجمع بين القوة الجسدية والقيم الروحية العميقة.
يؤدي المصارعون قبل كل مواجهة طقس "البشرف"، وهو تقليد رمزي يعني "ما يُفعل أولا"، ويشكل البداية المعنوية للنزال في "ميدان الرجال"، حيث يتشابك الخصمان بالأذرع ويتلوان الدعاء ويتبادلان تمنيات التوفيق، مؤكدين أن الأخوة تسبق المنافسة والاحترام يأتي قبل الصراع.
وتحمل حركات هذا الطقس دلالات عميقة؛ فالخطوات الثلاث إلى الخلف ترمز إلى التسليم للحق والعدالة والمحبة، بينما تشير الخطوات إلى الأمام إلى الاستعداد للكفاح في سبيل الشهادة ونيل رضا الله، وعندما يلمس المصارع الأرض ثلاث مرات قبل رفع يده إلى شفتيه، فإنه يذكر بأصل الإنسان "من التراب جئنا وإلى التراب سنعود".
ومن الحركات المميزة في "البشرف" ما يستمد من علاقة الأتراك بالطبيعة، إذ يقفز المصارع كالحصان ويفرد ذراعيه كالنسر ويتقدم كالذئب، في رسالة تؤكد الشهامة والقوة، كما تتضمن اللمسة على ساق الخصم رسالة ضمنية تؤكد النزاهة والشرف في المواجهة.
برز المصارع التركي شعبان يلماز على امتداد سنوات طويلة كأحد أبرز من أحيا فن "البشرف"، إذ اشتهر بحركاته الواسعة وقفزاته العالية التي كانت تدفع الجماهير للوقوف والتصفيق بحماس، حتى غدا اسمه مرادفا لهذا الطقس العريق في ذاكرة أهالي أدرنة.
واعتزل يلماز البطولات عام 2022 بعد بلوغه السن القانونية، ليترك مكانة يصعب ملؤها في عالم المصارعة الزيتية، حيث قال في حديث للأناضول إنه خلال السنوات الأخيرة لم يتمكن من أداء "البشرف" في كثير من البطولات بسبب إصابة تعرض لها، رغم هتاف الجمهور المستمر باسمه.
وأضاف: "عندما اعتزلت عام 2022، كان الجمهور حتى في آخر سنة يهتف باسمي ويطالبني بأداء البشرف. كنت مصابا ولم أستطع القيام به في كثير من المناسبات، وأوضحت ذلك للجمهور".
وأكد يلماز أن "البشرف" يعزز الحماس في المدرجات ويقوي العلاقة بين المصارع والجمهور، مشيرا إلى أن سكان أدرنة ما زالوا حتى اليوم يتذكرونه ويهتفون باسمه، ومضيفا: "أريد أن أعلّم تلاميذي أهمية البشرف، لأن صناعة الأثر ليست سهلة... وهذا مصدر فخر لنا".
يبقى "البشرف" رغم مرور ستة قرون على انطلاق البطولة، الطقس الذي يحفظ هوية المصارعة الزيتية التركية، ويجعل من قرقبينار حدثا ثقافيا وتراثيا بامتياز، بعيدا عن مجرد المنافسة الرياضية، حيث يجسد منظومة قيم الأبطال من الاحترام والتواضع والشهامة.
يذكر أن بطولة قرقبينار تقام سنويا في أدرنة منذ العهد العثماني، وتستمر على مدى أيام متعددة، لتجمع بين الموروث الثقافي القديم والروح الرياضية العالية، في واحدة من أعرق المنافسات التي تشهدها الساحات العالمية.

