60 ألف زائر يوميا.. السوق المصري بإسطنبول ينبض منذ 4 قرون

يستقبل نحو 60 ألف زائر يومياً.. السوق المصري بإسطنبول يحافظ على مكانته كرمز من رموز الذاكرة التجارية للمدينة منذ تأسيسه في القرن السابع عشر.
تاريخ عريق يمتد أربعة قرون
يستقبل السوق المصري في قلب إسطنبول التاريخية نحو 60 ألف زائر يومياً، محافظاً على مكانته كأحد أبرز المراكز التجارية والسياحية في المدينة منذ تأسيسه في أربعينيات القرن السابع عشر. ويرتبط اسم هذا السوق التاريخي، الذي يُعد رمزاً من رموز الذاكرة الاقتصادية للعاصمة التركية، ارتباطاً وثيقاً بتجارة التوابل التي كانت تصل إلى المدينة عبر مصر خلال العهد العثماني.
ويشير أستاذ التاريخ في جامعة مرمرة، فهمي يلماز، إلى أن إسطنبول شكلت عبر التاريخ واحدة من أهم المحاور العالمية للتجارة، وأن السوق المصري لعب دوراً محورياً في منظومة الإنتاج وشبكات التبادل التجاري المحلي والدولي. ويؤكد يلماز للأناضول أن السمة الأبرز للسوق تمثلت في التعامل بالتوابل القادمة من الشرق الأقصى، حيث كانت تصل هذه السلع أولاً إلى السوق قبل توزيعها على تجار إسطنبول وإعادة إرسالها إلى مدن أخرى.
دور إقليمي وشبكات تجارية
لم يقتصر دور السوق على خدمة إسطنبول وحدها، بل امتد تأثيره لتنظيم الحركة التجارية داخل الأناضول ومناطق البلقان التي عُرفت تاريخياً باسم "روملي" في العهد العثماني. ويؤكد يلماز أن السوق ساهم في تسهيل وصول سكان المدينة إلى احتياجاتهم اليومية، مما رسخ مكانته كمركز حيوي للتجارة الإقليمية لعقود طويلة.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن موقع السوق الاستراتيجي في قلب المدينة التاريخية ساهم في تعزيز أهميته التجارية، حيث شكل نقطة التقاء للبضائع القادمة عبر السفن الأجنبية خلال تلك الفترة. وقد خصصت العائدات المالية للسوق تاريخياً لدعم الجامع الجديد (يني جامع) والمؤسسات الوقفية المرتبطة به، وهو التقليد الذي ما يزال مستمراً حتى اليوم.
تحديات الترميم والتجديد
شهد السوق تحولات جذرية خلال فترة الجمهورية التركية، حيث اندلع فيه حريق كبير عام 1940 أدى إلى تراجع نشاطه التجاري مؤقتاً قبل إعادة ترميمه وافتتاحه مجدداً عام 1943. وأُنجزت أعمال ترميم شاملة خلال العقدين الماضيين، ليستعيد السوق شكله الحالي عام 2018 ويستمر في أداء رسالته التجارية والتراثية.
ويؤكد يلماز أن النظر إلى السوق باعتباره مجرد مبنى تاريخي يمثل فهماً ناقصاً لدوره الحقيقي، موضحاً أنه أسهم في تحويل الثقافة والتاريخ التجاري لإسطنبول إلى علامة معروفة خارج تركيا. ويشير إلى أن نماذج مشابهة من الأسواق التاريخية وجدت في مناطق مختلفة كانت ضمن النظام التجاري العثماني، مثل مصر ودمشق والبلقان.
النشاط الحالي والحركة السياحية
يضم السوق حالياً نحو 120 متجراً يعمل طوال أيام الأسبوع، يوفر كل منها فرص عمل لسبعة أو ثمانية أشخاص في المتوسط، ويتركز 80 بالمئة من النشاط التجاري في تجارة التوابل والمكسرات. ويؤكد رئيس جمعية التضامن وحماية تجار السوق المصري، سامي قوينجو، أن المكان تحول مع مرور الزمن إلى فضاء يجمع بين النشاط الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، حيث يمثل نقطة التقاء لزوار من عشرات الجنسيات المختلفة.
وتفرض طبيعة السوق الدولية وجود موظفين قادرين على التواصل مع الزوار من خلفيات متعددة، ويتحدث عدد كبير من العاملين ثلاث أو أربع لغات إلى جانب امتلاكهم مهارات تواصل عالية. ويتراوح عدد الزوار يومياً بين 50 و60 ألف شخص، مع تنوع طبيعتهم بحسب المواسم، حيث يرتفع عدد السياح القادمين من إسبانيا وأمريكا اللاتينية واليونان.
إرث تجاري عابر للأجيال
يمارس معظم التجار العاملين في السوق مهنتهم منذ عقود طويلة، وغالباً ما تنتقل المتاجر والخبرة التجارية من الآباء إلى الأبناء عبر أجيال متعاقبة، مما أسهم في ترسيخ مبدأ تقديم أفضل جودة ممكنة للمنتجات. ويقول قوينجو: "هذه الثقافة التجارية التقليدية أسهمت في ترسيخ مبدأ يقوم على تقديم أفضل جودة ممكنة للمنتجات، وهو ما حافظ على سمعة السوق عبر السنين".
ويستقبل السوق منتجات من مختلف أنحاء العالم بما ينسجم مع طبيعته التاريخية كمركز دولي للتبادل التجاري، كما يؤدي دوراً مهماً في الترويج للمنتجات المحلية القادمة من مناطق الأناضول المختلفة. ويختم قوينجو قائلاً: "السوق المصري لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة عرض دولية دائمة تشبه المعارض التجارية الكبرى، وتعكس التراث التجاري العريق الذي تميزت به إسطنبول عبر قرون طويلة".
التعليقات التي تشاركونها على موقعنا تُعد مصدرًا قيّمًا للمستخدمين الآخرين. يرجى التحلي بالاحترام تجاه الآراء المختلفة وباقي المستخدمين. يُرجى تجنب استخدام أي عبارات فظة أو هجومية أو مُهينة أو تمييزية.